الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيمن كان مريضا في رمضان فخاف إن صام ازدياد مرضه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 29 ] ( ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل يوم مسكينا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ) لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره ، فصار كالشيخ الفاني ، ثم لا بد من الإيصاء عندنا ، خلافا للشافعي رحمه الله ، وعلى هذا الزكاة ، هو يعتبره بديون العباد ; إذ كل ذلك حق مالي [ ص: 30 ] تجري فيه النيابة . ولنا أنه عبادة ، ولا بد فيه من الاختيار ، وذلك في الإيصاء دون الوراثة لأنها جبرية ; ثم هو تبرع ابتداء حتى يعتبر من الثلث ، والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ ، وكل صلاة تعتبر بصوم يوم ، هو الصحيح ( ولا يصوم عنه الولي ولا يصلي ) لقوله صلى الله عليه وسلم { لا يصوم أحد عن أحد ، ولا يصلي أحد عن أحد }" .

التالي السابق


الحديث التاسع عشر : قال عليه السلام : { لا يصوم أحدكم عن أحد ، ولا يصلي أحد عن أحد }" ، قلت : غريب مرفوع ، وروي موقوفا على ابن عباس ، وابن عمر .

فحديث ابن عباس : رواه النسائي في " سننه الكبرى في الصوم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا يزيد بن زريع ثنا حجاج الأحول ثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ، قال : لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة انتهى . ولم يخرجه ابن عساكر في " أطرافه " .

حديث ابن عمر : رواه عبد الرزاق في " مصنفه في كتاب الوصايا " أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، قال : لا يصلين أحد عن أحد ولا يصومن أحد عن أحد ، ولكن إن كنت فاعلا تصدقت عنه ، أو أهديت انتهى .

وفي " الإمام " رواه أبو بكر بن الجهم في " كتابه " أخبرنا أحمد بن الهيثم ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد [ ص: 30 ] عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ، أنه قال : لا يصومن أحد عن أحد ، ولا يحجن أحد عن أحد ، ولو كنت أنا لتصدقت ، وأعتقت ، وأهديت انتهى .

وهو في " الموطأ " بلاغ قال ابن مصعب : أخبرنا مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر ، قال ، فذكره ، قال مالك : ولم أسمع عن أحد من الصحابة ، ولا من التابعين رضي الله عنهم بالمدينة أن أحدا منهم أمر أحدا يصوم عن أحد ، ولا يصلي عن أحد ، وإنما يفعله كل أحد لنفسه ، ولا يعمله أحد عن أحد .

أحاديث الباب : أخرج الترمذي في " كتابه " عن أشعث بن سوار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر ، قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل مات وعليه صيام : يطعم عنه ، عن كل يوم مسكين }" انتهى . وقال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، والصحيح عن ابن عمر موقوفا انتهى . وضعفه عبد الحق في " أحكامه " بأشعث ، وابن أبي ليلى ، وقال الدارقطني في " علله " : المحفوظ موقوف ، هكذا رواه عبد الوهاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر ، انتهى .

وقال البيهقي في " المعرفة " : لا يصح هذا الحديث ، فإن محمد بن أبي ليلى كثير الوهم ، ورواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر .

قوله : ثم أخرجه عن عبيد الله بن الأخنس عن نافع عن ابن عمر ، قال : من مات وعليه صيام رمضان ، فليطعم عنه كل يوم مسكين مدا من حنطة انتهى .

وأخرجه البيهقي في " سننه " عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى به مرفوعا ، { قال في الذي يموت وعليه رمضان ، ولم يقضه : يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر }انتهى .

قال البيهقي : هذا خطأ من وجهين : أحدهما : رفعه ، وإنما هو موقوف . والثاني : قوله فيه : نصف صاع ، وإنما قال ابن عمر : مد من حنطة ، [ ص: 31 ] انتهى .

حديث يشكل على هذه الأحاديث : أخرجه البخاري ، ومسلم عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة عن النبي عليه السلام ، قال : { من مات وعليه صيام صام عنه وليه }" انتهى .

ورواه أبو داود ، وقال : هذا في النذر ، قاله أحمد بن حنبل ، انتهى . وكذلك حديث ابن عباس : { أن امرأة أتت النبي عليه السلام ، فقالت : إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ، فقال : أرأيت لو كان عليها دين ، أكنت قاضية عنها ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله أحق }" ، أخرجاه أيضا ، وهو محمول على النذر أيضا ، بدليل أنه في لفظ لهما عنه ، قال : { جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ، فأصوم عنها ؟ قال : أرأيت لو كان على أمك دين ، أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ، قال : فصومي عن أمك }" انتهى . وقال صاحب " التنقيح " : حمل أصحابنا حديث عائشة على صوم النذر ، لما روي عن عائشة أنها قالت : يطعم عنه في قضاء رمضان ، ولا يصام ، قال : وذلك لأن النيابة تجري في العبادة بحسب خفتها ، والنذر أخف حكما ، لكونه لم يجب بأصل الشرع ، وإنما أوجبه الناذر على نفسه انتهى .

قلت : حديث ابن عباس أخرجه أبو داود في " النذر والأيمان " مصرحا فيه بالنذر عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس { أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرا ، فنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت ، فجاءت بنتها ، أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها أن تصوم عنها }انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث