الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استحباب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : وأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه وإن لم يفعل ففيها قولان قال : يجزيه في أحدهما ولا يجزيه في الآخر ، قال المزني : يجزيه أشبه بقوله لأنه يجعل ما سقط من منابت شعر الرأس من الرأس ، فكذلك يلزمه ألا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه من الوجه .

وقال الماوردي : وهذه أول مسألة نقلها المزني في مختصره هذا على قولين .

وجملة شعر اللحية أنه متى لم يتجاوز الأذن عرضا ، ولم يسترسل عن الذقن طولا ، فإمرار الماء عليه واجب وقد مضى الكلام فيه ، وإن تجاوز الأذنين عرضا واسترسل عن الذقن طولا لزمه غسل ما قابل البشرة وهو مأمور بغسل ما انتشر عنها عرضا وما استرسل منها طولا وفي وجوبه قولان :

أحدهما : وهو اختيار المزني ومذهب أبي حنيفة أن إمرار الماء عليه غير واجب وتركه مجزئ ، ووجهه أنه أحد أعضاء الوضوء فلم يكن ما استرسل من شعره داخلا في حكمه كالرأس . ولأن انتقال الفرض في البشرة إلى ما يوازيها يوجب أن يكون مقصورا على ما يحاذيها كالمسح على الخفين .

والقول الثاني : وهو أصح أن إمرار الماء واجب عليه وتركه غير مجزئ ، ووجهه أن الله تعالى أمر بغسل الوجه ، واللحية يتناولها اسم الوجه لغة وشرعا :

أما اللغة فلأن الوجه سمي وجها لحصول المواجهة له ، واللحية مما يحصل بها [ ص: 131 ] المواجهة فكانت داخلة في اسم الوجه وكذلك قالوا : قد بقل وجهه ونبت وجهه إذا خرجت لحيته .

وأما الشرع فما رواه عطاء بن خالد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تغطوا اللحية في الصلاة فإنها من الوجه ، فإذا ثبت أن اللحية من الوجه لغة وشرعا وجب غسلها لقوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] .

ولأنه شعر ظاهر نبت على محل مغسول فاقتضى أن يكون إيصال الماء إليه واجبا قياسا على ما لم يسترسل من شعر الوجه ولأن كل شعر واجب إيصال الماء إليه قبل أن يطول وجب إيصال الماء إليه بعد أن طال قياسا على الشارب والحاجب وشعر الذراع . فأما الجمع بينه وبين شعر الرأس فممتنع من وجهين :

أحدهما : أن الرأس اسم لما ترأس وعلا ولذلك قيل : فلان رئيس قومه إذا علاهم بأمره فلم يدخل ما استرسل من شعر الرأس في اسمه ، والوجه اسم لما وقعت به المواجهة فدخل ما استرسل من اللحية في اسمه .

والثاني : أن الاحتياط أن يغسل شعر الوجه مع الوجه فأوجبناه ، والاحتياط ألا يمسح على المسترسل من شعر الرأس فأسقطناه فكان الاحتياط فيهما فرقا مانعا من الجمع بينهما ، وأما قياسهم على الخفين فمنتقض بالشارب والحاجب والعنفقة . ثم المعنى في الخفين أن الفرض انتقل إليهما على طريق البدل ولذلك بطل المسح بظهور القدمين ؛ فلذلك كان الفرض مقصورا على محل القدمين وليس كذلك شعر الوجه لأن الفرض لم ينتقل إليه على طريق البدل وكذلك لم يبطل غسل الوجه بظهور البشرة فلذلك لم يكن الفرض مقصورا على مسح البشرة وكان مستوعبا لجميع ما انتقل الفرض إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث