الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل يجوز التنفل ماشيا

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

يجوز التنفل ماشيا ، وعلى الراحلة سائرة إلى جهة مقصده في السفر الطويل ، وكذا القصير ، على المذهب .

ولا يجوز في الحضر على الصحيح ، بل لها فيه حكم الفريضة في كل شيء إلا القيام ، وقال الإصطخري : يجوز للراكب والماشي في الحضر مترددا في جهة مقصده .

واختار القفال الجواز ، بشرط الاستقبال في جميع الصلاة ، وحيث جازت النافلة على الراحلة ، فجميع النوافل سواء على الصحيح الذي عليه الأكثرون .

وعلى الضعيف : لا تجوز صلاة العيد والكسوف والاستسقاء . أما راكب السفينة فلا يجوز تنفله فيها إلى غير القبلة لتمكنه . نص عليه الشافعي رضي الله عنه .

وكذا من تمكن في هودج على دابة ، على الصحيح .

واستثنى صاحب ( العدة ) ملاح السفينة التي يسيرها ، وجوز تنفله حيث توجه لحاجة .

قلت : واستثناه أيضا صاحب ( الحاوي ) وغيره ، ولا بد منه . والله أعلم .

[ ص: 211 ] فرع :

إذا لم يتمكن المتنفل راكبا من إتمام الركوع والسجود والاستقبال في جميع صلاته ، ففي وجوب الاستقبال عند الإحرام أوجه :

أصحها : إن سهل ، وجب ، وإلا فلا .

فالسهل : بأن تكون [ الدابة ] واقفة وأمكن انحرافه عليها أو تحريفها ، أو كانت سائرة وبيده زمامها ، وهي سهلة .

وغير السهل أن تكون مقطورة أو صعبة ، والثاني : لا يجب أصلا والثالث : يجب مطلقا .

فإن تعذر ، لم تصح صلاته ، والرابع : إن كانت الدابة عند الإحرام متوجهة إلى القبلة أو إلى طريقه أحرم كما هو ، وإن كانت إلى غيرهما ، لم يجز الإحرام إلا إلى القبلة ، والاعتبار باستقبال الراكب دون الدابة ، فلو استقبل عند التحرم ، أجزأه بلا خلاف وإن كانت الدابة منحرفة عن القبلة واقفة أو سائرة .

وإذا شرطنا الاستقبال عند الإحرام ، لم نشترطه عند السلام على الأصح ، ولا يشترط فيما سواهما من أركان الصلاة ، ولكن يشترط لزوم جهة المقصد في جميعها ، إذا لم يستقبل القبلة .

وتتبع ما يعرض في الطريق من معاطف ، ولا يشترط سلوكه في نفس الطريق ، بل الشرط جهة المقصد .

فرع :

ليس لراكب التعاسيف ترك الاستقبال في شيء من نافلته ، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ، ويستدبر تارة ، وليس له مقصد معلوم . فلو كان له مقصد [ ص: 212 ] معلوم ، لكن لم يسر في طريق معين ، فله التنفل مستقبلا جهة مقصده على الأظهر .

وعلى الثاني : لا ؛ لأنه لم يسلك طريقا مضبوطا ، فقد لا يؤدي سيره إلى مقصده .

فرع :

إذا انحرف المصلي على الأرض عن القبلة ، نظر ، إن استدبرها أو تحول إلى جهة أخرى عمدا ، بطلت صلاته .

وإن فعله ناسيا ، أو عاد إلى الاستقبال على قرب ، لم تبطل ، وإن عاد بعد طول الفصل ، بطلت على الأصح . ككلام الناسي .

وإن أماله غيره عن القبلة قهرا ، فعاد إلى الاستقبال بعد الطول ، بطلت ، وكذا على القرب ، على الأصح ، لندوره .

كما لو أكره على الكلام ، فإنها تبطل على الصحيح ، لندوره .

ولو انحرف المتنفل ماشيا عن مقصده ، أو حرف دابته ، فإن كان إلى جهة القبلة ، لم يضره .

وإن كان إلى غيرها عمدا بطلت صلاته ، وإن كان ناسيا أو غالطا ، ظن أن الذي توجه إليه طريقه وعاد على قرب لم تبطل .

وإن طال بطلت على الأصح ، ولو انحرف بجماح الدابة ، وطال الزمان ، بطلت على الصحيح كالإمالة قهرا . وإن قصر لم تبطل على المذهب ، وبه قطع الجمهور ؛ لعموم الجماح . وإذا لم تبطل في صورة النسيان ، فإن طال الزمان ، سجد للسهو . وإن قصر ، فوجهان :

المنصوص : لا يسجد ، وفي صورة الجماح أوجه :

أصحها : يسجد ، والثاني : لا ، والثالث : إن طال سجد وإلا فلا ، وهذا تفريع على المشهور أن النفل يدخله سجود السهو .

فرع :

هذا الذي قدمناه هو في استقبال الراكب على سرج ونحوه ، وليس عليه وضع الجبهة على عرف الدابة ، ولا على السرج والإكاف ، بل ينحني [ ص: 213 ] للركوع ، والسجود إلى طريقه ، والسجود أخفض من الركوع .

قال إمام الحرمين : الفصل بينهما عند التمكن محتوم ، والظاهر : أنه لا يجب مع ذلك أن تبلغ غاية وسعه في الانحناء ، وأما سائر الأركان ، فكيفيتها ظاهرة .

وأما الراكب في مرقد ونحوه ، مما يسهل فيه الاستقبال ، وإتمام الأركان ، فعليه الاستقبال في جميع الصلاة ، وإتمام الأركان في جميع الصلاة على الأصح كراكب السفينة ، والثاني : لا يشترط ، وهو منصوص .

وأما الماشي ففيه أقوال . أظهرها : أنه يشترط أن يركع ، ويسجد على الأرض وله التشهد ماشيا ، والثاني : يشترط التشهد أيضا قاعدا ولا يمشي إلا حالة القيام .

والثالث : لا يشترط اللبث بالأرض في شيء ، ويومئ بالركوع والسجود كالراكب ، وأما استقباله ، فإن قلنا بالقول الثاني وجب عند الإحرام ، وفي جميع الصلاة غير القيام .

وإن قلنا بالأول استقبل في الإحرام والركوع والسجود ، ولا يجب عند السلام على الأصح .

وإن قلنا بالثالث لم يشترط الاستقبال في غير حالة الإحرام . والسلام وحكمه فيهما حكم راكب بيده الزمام .

وإذا لم نوجب استقبال القبلة شرطنا ملازمة جهة مقصده .

فرع :

يشترط أن يكون ما يلاقي بدن المصلي على الراحلة وثيابه من السرج وغيره طاهرا ، ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة أو كان على السرج نجاسة فسترها ، وصلى عليه لم يضر .

ولو أوطأها الراكب نجاسة لم يضر أيضا على الأصح .

ولو وطئ مصل ماشيا نجاسة عمدا ، بطلت صلاته ، ولا يكلف التحفظ والاحتياط في المشي .

ولو انتهى إلى نجاسة يابسة ، ولم يجد عنها معدلا ، قال إمام الحرمين : هذا فيه احتمال ؛ فإن كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته .

[ ص: 214 ] فرع :

يشترط في جواز النفل راكبا وماشيا دوام السفر ، فلو بلغ المنزل في خلال الصلاة ، اشترط إتمامها إلى القبلة متمكنا ، وينزل إن كان راكبا .

ولو دخل بلد إقامته ، فعليه النزول ، وإتمام الصلاة مستقبلا بأول دخوله البنيان ، إلا إذا جوزنا للمقيم التنفل على الراحلة ، وكذا لو نوى الإقامة بقرية .

ولو مر بقرية مجتازا فله إتمام الصلاة راكبا ، فإن كان له بها أهل ، فهل يصير مقيما بدخولها ؟ قولان . إن قلنا : يصير ، وجب النزول والإتمام مستقبلا ؛ قلت : الأظهر ، لا يصير . والله أعلم .

وحيث أمرناه بالنزول ، فذلك عند تعذر البناء على الدابة ، فلو أمكن الاستقبال ، وإتمام الأركان عليها وهي واقفة ، جاز .

ويشترط الاحتراز عن الأفعال التي لا يحتاج إليها . فلو ركض الدابة للحاجة فلا بأس ، ولو أجراها بلا عذر أو كان ماشيا ، فعدا بلا عذر ، بطلت صلاته على الأصح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث