الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 187 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الواقعة

وهي مكية بإجماع ممن يعتد بقوله من المفسرين، وقيل: إن فيها آيات مدنية أو مما نزل في السفر، وهذا كله غير ثابت، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من داوم على قراءة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا"، ودعا عثمان ابن مسعود رضي الله عنهما إلى عطائه فأبى أن يأخذ، فقيل له: خذ للعيال فقال: إنهم يقرؤون سورة الواقعة، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأها لم يفتقر أبدا" .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

فيها ذكر القيامة وحظوظ النفس في الآخرة، وفهم ذلك غنى لا فقر معه، من فهمه شغل بالاستعداد.

قوله عز وجل:

إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست [ ص: 188 ] الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم

"الواقعة" اسم من أسماء القيامة كالصاخة والآزفة والطامة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهذه كلها أسماء تقتضي تعظيمها وتشنيع أمرها، وقال الضحاك : الواقعة: الصيحة، وهي النفخة في الصور، وقال بعض المفسرين: الواقعة صخرة بيت المقدس تقع عند القيامة، فهذه كلها معان لأجل القيامة.

و"كاذبة" يحتمل أن يكون مصدرا كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين، فالمعنى: ليس لها تكذيب ولا رد مثنوية، وهذا قول قتادة والحسن ، ويحتمل أن يكون صفة لمقدر، كأنه تعالى قال: ليس لوقعتها حال كاذبة، ويحتمل -الكلام على هذا- معنيين: أحدهما كاذبة أي: مكذوبة فيما أخبر به عنها، وسماها كاذبة لهذا، كما تقول: قصة كاذبة، أي: مكذوب فيها، والثاني حالة كاذبة، أي: لا يمضي وقوعها، كما تقول: فلان إذا حمل لم يكذب.

وقوله تعالى: خافضة رافعة رفع على خبر ابتداء، أي: هي خافضة رافعة، وقرأ الحسن، وعيسى الثقفي ، وأبو حيوة: "خافضة رافعة" بالنصب على الحال بعد الحال التي هي "ليس لوقعتها كاذبة"، ولك أن تتابع الأحوال كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ، والقراءة الأولى أشهر وأبرع معنى، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لو لم يذكر لاستغني عنه، وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما يتهمم به.

واختلف الناس في معنى هذا الخفض والرفع في هذه الآية، فقال قتادة ، وعثمان بن عبد الله بن سراقة : القيامة تخفض أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى الجنة، وقال ابن عباس ، وعكرمة ، والضحاك : الصيحة تخفض صوتها لتسمع الأدنى، وترفعه لتسمع الأقصى، وقال جمهور من المتأولين: القيامة بتفطر السماء والأرض والجبال، وانهدام هذه البنية يرفع طائفة من الأجرام ويخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب.

[ ص: 189 ] والعامل في قوله تعالى: "إذا رجت" "وقعت"; لأن هذه بدل من "إذا" الأولى، وقد قالوا: إن "وقعت" هو العامل في الأولى، وذلك لأن معنى الشرط فيهما قوي، فهي كمن و ما في الشرط يعمل فيها ما بعدها من الأفعال، وقد قيل: إن "إذا" مضافة إلى "وقعت" فلا يصح أن تعمل فيها، وإنما العامل فيها فعل مقدر.

ومعنى "رجت" زلزلت وحركت بعنف، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومنه ارتج السهم في الغرض، إذا اضطرب بعد وقوعه، والرجة في الناس الأمر المحرك. واختلف اللغويون في معنى "بست" - فقال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة : معناه: فتتت كما تبس البسيسة، وهي السويق، ويقال: بسست الدقيق إذا ثريته بالماء وبقي متفتتا، وأنشد الطبري في هذا:

.

لا تخبزا خبزا وبسا بسا



وقال هذا قول لص أعجله الخوف عن العجين فقال هذا لصاحبيه. وقال بعض اللغويين: "بست" معناه: سيرت، قالوا: والخبز: السير الشديد وضرب الأرض بالأيدي، والبس: السير الرفيق، وأنشدوا البيت:


لا تخبزا خبزا وبسا بسا     وجنباها نهشلا وعبسا



ذكر هذا أبو عثمان اللغوي في كتاب "الأفعال".

[ ص: 190 ] و "الهباء": ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت من كوة، قاله ابن عباس ومجاهد ، وقال قتادة : الهباء ما تطاير من يبس النبات، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الهباء ما تطاير من حوافر الخيل والدواب. وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: الهباء ما يتطاير من شرر النار فإذا طفي لم يوجد شيء. و"المنبث": -بالتاء المثلثة-: الشائع في جميع الهواء، وقرأ النخعي : "منبتا" بالتاء بنقطتين، أي: متقطعا، ذكر ذلك الثعلبي ، والقول الأول في الهباء أحسن الأقوال.

والخطاب في قوله تعالى: "وكنتم" لجميع العالم; لأن الموصوفين من أصحاب المشأمة ليسوا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم و"الأزواج": الأنواع والضروب، قال قتادة : هذه منازل الناس يوم القيامة.

وقوله تعالى: فأصحاب الميمنة ابتداء، و "ما" ابتداء ثان و"أصحاب الميمنة" خبر "ما"، والجملة خبر الابتداء الأول، وفي الكلام معنى التعظيم، كما تقول: "زيد ما زيد"، ونظير هذا في القرآن كثير، و"الميمنة" أظهر ما في اشتقاقها أنها من ناحية اليمين، وقيل: من اليمن، وكذلك "المشأمة" إما أن تكون من اليد الشؤمى، وإما أن تكون من الشؤم، وقد فسرت هذه الآية بهذين المعنيين; إذ أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم، قاله الحسن والربيع ، ويشبه أن اليمن والشؤم إنما اشتقا من اليمين والشمال، وذلك على طريقتهم في السانح والبارح، وكذلك اليمن والشام اشتقا من اليمنى والشؤمى.

وقوله تعالى: "والسابقون" ابتداء، و"السابقون" الثاني قال بعض النحويين: هو نعت للأول، ومذهب سيبويه أنه خبر الابتداء، وهذا كما تقول: الناس الناس، وأنت أنت، وهذا على معنى التفخيم للأمر وتعظيمه، والمعنى هو أن تقول: السابقون إلى [ ص: 191 ] الإيمان السابقون إلى الجنة والرحمة، أولئك...، ويتجه هذا المعنى على الابتداء والخبر.

وقوله تعالى: أولئك المقربون ابتداء وخبر، وهو في موضع الخبر على قول من قال: "السابقون" الثاني صفة، و"المقربون" معناه: من الله في جنة عدن، قال جماعة من أهل العلم: وهذه الآية متضمنة أن العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف: مؤمنون هم على يمين العرش وهنالك الجنة، وكافرون، هم على شمال العرش وهنالك هي النار، والقول في يمين العرش وشماله نحو من الذي مر في سورة الكهف في اليمين والشمال، وقد قيل في أصحاب الميمنة واليمين: إنهم من أخذ كتابه بيمينه، وفي أصحاب المشأمة والشمال: إنهم من أخذه بشماله، فعلى هذا ليست نسبة اليمين والشمال إلى العرش، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أصحاب اليمين أطفال المؤمنين، وقيل: المراد ميمنة آدم عليه السلام ومشأمته المذكورتان في حديث الإسراء في الأسودة.

و "السابقون" معناه: قد سبقت لهم السعادة وكانت أعمالهم في الدنيا سبقا إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي، فهذا عموم في جميع الناس، وخصص المفسرون من هذا أشياء، فقال عثمان بن أبي سودة : هم السابقون إلى المساجد، وقال ابن سيرين : هم الذين صلوا القبلتين، وقال كعب : هم أهل القرآن، وقيل: هم غير هذا مما هو جزء من الأعمال الصالحة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السابقين فقال: "هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم"، [ ص: 192 ] وقرأ طلحة بن مصرف : "في جنة النعيم" على الإفراد، و: "المقربون" عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة، وقيل على سرر موضونة متكئين، وقيل لعامر بن عبد قيس في يوم حلبة: من سبق؟ فقال: المقربون.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث