الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له

جزء التالي صفحة
السابق

يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب

فإن قلت : الذي جاء به ليس بمثل ، فكيف سماه مثلا ؟

قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستحسان والاستغراب : مثلا ؛ تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة ؛ لكونها مستحسنة مستغربة عندهم ، قرئ : "تدعون " : بالتاء والياء ، ويدعون : مبنيا للمفعول : "لن" أخت "لا" في نفي المستقبل ، إلا أن "لن" [ ص: 212 ] تنفيه نفيا مؤكدا ، تأكيده ها هنا الدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم ، كأنه قال : محال أن يخلقوا .

فإن قلت : ما محل : ولو اجتمعوا له ؟

قلت : النصب على الحال ، كأنه قال : مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم جميعا لخلقه وتعاونهم عليه ، وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم ، والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه ؛ حيث وصفوا بالإلهية -التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها ، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها- صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا ، وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم : أن هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا ، وقوله : ضعف الطالب والمطلوب : كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف ؛ لأن الذباب حيوان ، وهو جماد ، وهو غالب وذاك مغلوب ، وعن ابن عباس : أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ، ورؤوسها بالعسل ، ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث