الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة قريش

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 692 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة قريش

وهي مكية بلا خلاف.

قوله عز وجل:

لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة ، والكسائي : "لإيلاف قريش إيلافهم" على "إفعال" والهمزة الثانية ياء. وقرأ ابن عامر : "لإلآف" على "فعال" "إيلافهم"، على إفعال بياء في الثانية، وقرأ أبو بكر عن عاصم بهمزتين فيهما، الثانية ساكنة قال أبو علي : وتحقيق عاصم هاتين الهمزتين لا وجه له، وقرأ أبو جعفر "إلفهم" بلام ساكنة.

و"قريش": ولد النضر بن كنانة ، والتقرش: التكسب، تقول العرب "ألف الرجل الأمر وآلفه غيره إياه"، فالله تعالى آلف قريشا أي: جعلهم يألفون رحلتين في العام، واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف، ويقال أيضا: "ألف" بمعنى "آلف"، وأنشد أبو زيد :


من المؤلفات الرمل أدماء حرة شعاع الضحى في جيدها يتوضح



فإلف وإلاف مصدر "ألف"، وإيلاف مصدر "آلف"، قال بعض الناس: كانت [ ص: 693 ] الرحلتان إلى الشام في التجارة وقيل الأرباح، ومنه قول الشاعر:


سفرين سنهما له ولغيره     سفر الشتاء ورحلة الأصياف



وقال ابن عباس : كانت رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى بصرى من أرض الشام. قال أبو صالح : كانتا جميعا إلى الشام، وقال ابن عباس أيضا: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم، فهاتان رحلتا الشتاء والصيف، قال الخليل بن أحمد : فمعنى الآية: لأن الله تعالى فعل بقريش هذا ومكنهم من إلفهم هذه النعمة ليعبدوا رب هذا البيت.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وذكر "البيت" هنا متمكن لتقدم حمايته في السورة التي قبلها.

وقال الأخفش وغيره: قوله تعالى: "لإيلاف قريش" متعلقة بقوله سبحانه: فجعلهم كعصف مأكول . أي: ليفعل بقريش هذه الأفاعيل الجميلة، وقال بعض المفسرين: معنى الآية: اعجبوا لإيلاف قريش هذه الأسفار وإعراضهم عن عبادة الله ثم أمرهم تعالى بالعبادة بعد، وأعلمهم أن الله هو الذي أطعمهم وآمنهم لا سفرهم، والمعنى: فليعبدوا الذي أطعمهم بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: وارزقهم من الثمرات ، وآمنهم بدعوته حيث قال: رب اجعل هذا البلد آمنا ، ولا تشتغلوا بالأسفار فإنها طلب كسب وعرض دنيا. وقال النقاش : كانت لهم أربع رحل، وهذا قول مردود، وقال عكرمة : معنى الآية كما ألفوا هاتين الرحلتين لدنياهم فليعبدوا رب هذا البيت لآخرتهم، وقال قتادة : إنما عددت عليهم الرحلتان لأنهم كانوا يأمنون من الناس في سفرهم، والناس يغير بعضهم على بعض، ولا يمكن قبيلا من العرب أن يرحل آمنا كما تفعل قريش، فالمعنى: فليعبدوا الذي خصهم بهذه الحال فأطعمهم وآمنهم.

[ ص: 694 ] وقوله تعالى: "من جوع" معناه أن أهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى وأن جعلها بدعوة إبراهيم عليه السلام تجبى إليها ثمرات كل شيء، وقوله تعالى: من خوف أي جعلهم لحرمة البيت مفضلين عند العرب يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك لكانوا بمدرج المخاوف. وقال ابن عباس والضحاك : "آمنهم من خوف" معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوما.

كمل تفسير [سورة قريش] والحمد لله رب العالمين

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث