الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القسم للخيل في الغزو

باب القسم للخيل في الغزو

حدثني يحيى عن مالك أنه قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان يقول للفرس سهمان وللرجل سهم قال مالك ولم أزل أسمع ذلك وسئل مالك عن رجل يحضر بأفراس كثيرة فهل يقسم لها كلها فقال لم أسمع بذلك ولا أرى أن يقسم إلا لفرس واحد الذي يقاتل عليه قال مالك لا أرى البراذين والهجن إلا من الخيل لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وقال عز وجل وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها الوالي وقد قال سعيد بن المسيب وسئل عن البراذين هل فيها من صدقة فقال وهل في الخيل من صدقة [ ص: 40 ]

التالي السابق


[ ص: 40 ] 12 - باب القسم للخيل في الغزو

977 - ( مالك قال : بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان يقول للفرس سهمان وللرجل سهم ، قال مالك : ولم أزل أسمع ذلك ) وقد رواه نافع عن ابن عمر : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم للفرس سهمين ولصاحبه سهما " فسره نافع فقال : إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم ، أخرجه البخاري وغيره .

ولأبي داود من وجه آخر عن ابن عمر : " أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه " وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة وفقهاء الأمصار .

وقال أبو حنيفة : للفرس سهم واحد ولصاحبه سهم فقط .

واحتجوا له بما في بعض طرق حديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ : أسهم للفارس سهمين وتعقب بأنه وهم من راويه كما قال أبو بكر النيسابوري لأنه جاء من وجوه عديدة عند أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما بلفظ أسهم للفرس أولا وهم ، ومعناه أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به فلا حجة فيه ، واحتج له أيضا بما أخرجه أبو داود عن مجمع بن جارية بجيم وتحتية في حديث طويل في قصة خيبر قال : " فأعطى للفرس سهمين وللرجل سهما " وفي إسناد ضعيف ، ولو ثبت حمل على ما تقدم لأنه يحتمل الأمرين ، والجمع بين الروايتين أولى ، ولا سيما والأسانيد الأول أثبت ومع راويها زيادة علم ، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبي عمرة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهما فكان للفارس ثلاثة أسهم " وللنسائي عن الزبير : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرف له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته " قال محمد بن سحنون : انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار وقال : أكره أن أفضل بهيمة على مسلم وهي شبهة ضعيفة لأن السهام كلها للرجل ، قال الحافظ : لو لم يثبت الحديث لكانت الشبهة قوية لأن المفاضلة بين الراجل والفارس ، فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل ، فمن جعل للفارس سهمين فقد سوى بين الفرس وبين الراجل ، وتعقب هذا أيضا بأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان ، فلما خرج عن هذا الأصل بالمساواة فلتكن المفاضلة كذلك ، وقد فضل الحنفية الدابة على الإنسان في بعض الأحكام [ ص: 41 ] فقالوا : إذا قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها ، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم ، والحق أن الاعتماد في ذلك على الخبر ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال فقد جاء عن عمر وعلي وأبي موسى لكن الثابت عن عمر وعلي كالجمهور ، واستدل لهم من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها وبأنه يحصل بها من الغناء في الحرب ما لا يخفى .

( سئل مالك عن رجل يحضر بأفراس كثيرة فهل يقسم لها كلها ؟ فقال : لم أسمع بذلك ولا أرى أن يقسم إلا لفرس واحد الذي يقاتل عليه ) وبهذا قال الجمهور ، وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق : يسهم لفرسين لا أكثر لحديث أبي عمرة قال : " أسهم لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفرسي أربعة أسهم ولي سهما فأخذت خمسة أسهم " رواه الدارقطني بإسناد ضعيف ، قال القرطبي : ولم يقل أحد أنه يسهم لأكثر من فرسين إلا ما روي عن سليمان بن موسى بسهم لكل بالغا ما بلغت .

( قال مالك : لا أرى البراذين ) جمع برذون بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة والمراد الجفاة الخلقة من الخيل وأكثر ما تجلب من بلاد الروم ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية .

( والهجن ) بضم الهاء والجيم جمع هجين كبرد وبريد وهو ما أحد أبويه عربي ، وقيل الهجين الذي أبوه عربي ، وأما الذي أمه عربية فيسمى المقرف ، وعن أحمد الهجين البرذون ويحتمل أنه أراد في الحكم ( إلا من الخيل ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه : و ) خلق ( الخيل والبغال والحمير لتركبوها ) وجه الاحتجاج أن الله تعالى من بركوب الخيل وقد أسهم لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واسم الخيل يقع على البرذون والهجين بخلاف البغال والحمير فكأن الآية استوعبت ما ركب من هذا الجنس لما يقتضيه الامتنان ، فلما لم ينص على البرذون والهجين فيها دل على دخولهما في الخيل قاله ابن بطال .

( وقال عز وجل : وأعدوا لهم ) لقتالهم ( ما استطعتم من قوة ) قال - صلى الله عليه وسلم - هي الرمي ( ومن رباط الخيل ) مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله ( ترهبون ) تخوفون ( به عدو الله وعدوكم ) الكفار ، فعموم الخيل شامل للبراذين والهجين ( فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها الوالي ) [ ص: 42 ] على الجيش ( وقد قال سعيد بن المسيب وسئل ) والسائل له عبد الله بن دينار كما مر في الزكاة ( عن البراذين هل فيها صدقة ؟ ) وفي نسخة من صدقة بزيادة من ( فقال : وهل في الخيل من صدقة ) أي زكاة فجعلها من الخيل ، وإلى هذا ذهب الجمهور .

ولأبي داود في المراسيل وسعيد بن منصور عن مكحول " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هجن الهجين يوم خيبر وعرب العراب فجعل للعربي سهمين وللهجين سهما " وهذا منقطع .

وروى الشافعي في الأم وسعيد بن منصور عن علي بن الأقمر قال : أغارت الخيل فأدركت العراب وتأخرت البراذين فقام المنذر الوادعي فقال : لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك ، فبلغ ذلك عمر فقال : هبلت الوداعي أمه لقد أذكرت به امضوها على ما قال ، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العرب ، وفي ذلك يقول شاعرهم : ومنا الذي قد سن في الخيل سنة وكانت سواء قبل ذاك سهامها وهذا منقطع أيضا ، وقد أخذ به أحمد في المشهور عنه ، وعنه كالجماعة ، وعنه إن بلغت البراذين مبالغ العربية سوي بينهما وإلا فضلت العربية واختارها بعضهم ، وعن الليث يسهم للبرذون والهجين دون سهم الفرس .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث