الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون

جزء التالي صفحة
السابق

إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون

ثم مثل تصميمهم على الكفر ، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقحمين ، في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ، ولا يطأطئون رءوسهم له ، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم ، في أن لا تأمل لهم ولا تبصر ، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله . فإن قلت : ما معنى قوله : فهي إلى الأذقان ؟ قلت : معناه : فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها ، وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول ، يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود ، نادرا من الحلقة إلى الذقن . فلا تخليه يطاطئ رأسه ويوطئ قذاله ، فلا يزال مقحما . والمقمح : الذي يرفع رأسه ويغض بصره . يقال : قمح البعير فهو قامح : إذا روي فرفع رأسه ، ومنه شهرا قماح ; لأن الإبل ترفع رءوسها عن الماء لبرده فيهما ، وهما الكانونان . ومنه : اقتحمت السويق . فإن قلت : فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي ، وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق -وبذلك يسمى جامعة - كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدي ؟ قلت : الوجه ما ذكرت لك ، والدليل عليه قوله : فهم مقمحون ألا [ ص: 167 ] ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله : فهي إلى الأذقان ولو كان الضمير للأيدي ، لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا ، على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه وترك الحق الأبلج إلى الباطل اللجلج . فإن قلت : فقد قرأ ابن عباس رضي الله عنهما : (فى أيديهم ) ، وابن مسعود : (فى أيمانهم ) ، فهل تجوز على هاتين القراءتين أن تجعل الضمير للأيدي أو للأيمان ؟ قلت : يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للأغلال ، وسداد المعنى عليه كما ذكرت . وقرئ : (سدا ) بالفتح والضم . وقيل : ما كان من عمل الناس فبالفتح ، وما كان من خلق الله فبالضم "فأغشيناهم " فأغشينا أبصارهم ، أي : غطيناها ، وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي ، وعن مجاهد : فأغشيناهم : فألبسنا أبصارهم غشاوة . وقرئ : بالعين من العشا . وقيل : نزلت في بني مخزوم ، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه ، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به ، فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده ، حتى فكوه عنها بجهد ، فرجع إلى قومه فأخبرهم ، فقال مخزومي آخر : أنا أقتله بهذا الحجر ، فذهب ، فأعمى الله عينيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث