الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم

جزء التالي صفحة
السابق

والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون

وقرئ : (تجري إلى مستقر لها ) ، وقرأ ابن مسعود : (لا مستقر لها ) أي : لا تزال تجري لا تستقر ، وقرئ : (لا مستقر لها ) على أن "لا " بمعنى ليس "ذلك " الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه ، ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور ، المحيط علما بكل معلوم . قرئ : (والقمر ) رفعا على الابتداء ، أو عطفا على الليل ، يريد : من آياته القمر ، ونصبا بفعل يفسره قدرناه ، ولا بد في قدرناه منازل من تقدير مضاف ; لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل ، والمعنى : قدرنا مسيره منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، على تقدير مستو لا يتفاوت ، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة والعشرين ، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة ، وهي : الشرطان ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع ، النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الزبرة ، الصرفة ، العوا ، السماك ، الغفر ، الزباني ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، فرغ الدلو المقدم ، فرغ الدلو المؤخر ، الرشا . فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس ، و عاد كالعرجون القديم وهو عود العذق ، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة . وقال الزجاج : هو "فعلون " من الانعراج وهو الانعطاف . وقرئ : (العرجون ) بوزن الفرجون ; وهما لغتان ، كالبزيون والبزيون ، والقديم المحول ، وإذا قدم دق فانحنى واصفر ، فشبه به من ثلاثة أوجه . وقيل : [ ص: 179 ] أقل مدة الموصوف بالقدم الحول ، فلو أن رجلا قال : كل مملوك لي قديم فهو حر . أو كتب ذلك في وصيته ، عتق منهم من مضى له حول أو أكثر . وقرئ : (سابق النهار ) على الأصل ، والمعنى : أن الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسما من الزمان ، وضرب له حدا معلوما ، ودبر أمرهما على التعاقب ، فلا ينبغي للشمس ، أي : لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة ، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله أن تدرك القمر فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره ، ولا يسبق الليل النهار ، يعني : آية الليل آية النهار وهما النيران ، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك ، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر ، ويطلع الشمس من مغربها . فإن قلت : لم جعلت الشمس غير مدركة ، [ ص: 180 ] والقمر غير سابق ؟ قلت : لأن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة ، والقمر يقطع فلكه في شهر ، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطؤ سيرها عن سير القمر ، خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره "وكل " التنوين فيه عوض عن المضاف إليه ، والمعنى : وكلهم ، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث