الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 20 ) مسألة : قال : ( وإذا كان الماء قلتين ، وهو خمس قرب ، فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد لها طعم ولا لون ولا رائحة ، فهو طاهر ) . والقلة : هي الجرة ، سميت قلة لأنها تقل بالأيدي ، أي تحمل ، ومنه قوله تعالى : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } ويقع هذا الاسم على الكبيرة والصغيرة .

والمراد بها هاهنا قلتان من قلال هجر ، وهما خمس قرب ، كل قربة مائة رطل بالعراقي ، فتكون القلتان خمسمائة رطل بالعراقي . هذا ظاهر المذهب عند أصحابنا ، وهو مذهب الشافعي ; لأنه روي عن ابن جريج أنه قال : رأيت قلال هجر ، القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا . فالاحتياط أن يجعل قربتين ونصفا .

وروى الأثرم ، وإسماعيل بن سعيد ، عن أحمد ، أن القلتين أربع قرب ، وحكاه ابن المنذر عن أحمد في " كتابه " ; وذلك لما روى الجوزجاني ، بإسناده عن يحيى بن عقيل ، قال : رأيت قلال هجر ، وأظن كل قلة تأخذ قربين . وروي نحو هذا عن ابن جريج .

واتفق القائلون بتحديد الماء بالقرب على تقدير كل قربة بمائة رطل بالعراقي ، لا [ ص: 31 ] أعلم بينهم في ذلك خلافا ، ولعلهم أخذوا ذلك ممن اختبر قرب الحجاز ، وعرف أن ذلك مقدارها .

وإنما خصصنا هذا بقلال هجر لوجهين : أحدهما أنه قد روي في حديث مبينا ، رواه الخطابي ، في " معالم السنن " بإسناده إلى ابن جريج ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا { إذا كان الماء قلتين بقلال هجر } وذكر الحديث .

والثاني أن قلال هجر أكبر ما يكون من القلال ، وأشهرها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الخطابي قال : وهي مشهورة الصنعة ، معلومة المقدار . لا تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل ; ولأن الحد لا يقع بالمجهول .

وقال أبو عبيد : هي الحباب ، وهي مستفيضة معروفة ، فينبغي أن يحمل لفظ القلتين عليها ; لشهرتها وكبرها ، فإن كل معدود جعل مقدارا واحدا لم يتناول إلا أكبرها ; لأنها أقرب إلى العلم ، وأقل في العدد ، ولذلك جعل نصاب الزكاة بالأوسق ، دون الآصع والأمداد .

وقد دلت هذه المسألة بصريحها على أن ما بلغ القلتين فلم يتغير بما وقع فيه لا ينجس ، وبمفهومها على أن ما تغير بالنجاسة نجس وإن كثر ، وأن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ، وإن لم يتغير .

فأما نجاسة ما تغير بالنجاسة فلا خلاف فيه ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير ، إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعما أو لونا أو رائحة ، أنه نجس ما دام كذلك . وقد روى أبو أمامة الباهلي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه } . رواه ابن ماجه .

وقال حرب بن إسماعيل : سئل أحمد عن الماء إذا تغير طعمه أو ريحه ، قال : لا يتوضأ به ولا يشرب ، وليس فيه حديث ، ولكن الله تعالى حرم الميتة ، فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه ، فذلك طعم الميتة وريحها ، فلا يحل له ، وذلك أمر ظاهر .

وقال الخلال : إنما قال أحمد : ليس فيه حديث ; لأن هذا الحديث يرويه سليمان بن عمر ، ورشدين بن سعد ، وكلاهما ضعيف ، وابن ماجه رواه من طريق رشدين . وأما ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها ، فالمشهور في المذهب أنه ينجس ، وروي عن ابن عمر ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وبه قال الشافعي ، وإسحاق ، وأبو عبيد .

وروي عن أحمد رواية أخرى ، أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيره ، وروي مثل ذلك عن حذيفة ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، قالوا : الماء لا ينجس . وروي ذلك عن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعكرمة ، وعطاء ، وجابر بن زيد ، وابن أبي ليلى ، ومالك والأوزاعي ، والثوري ، ويحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وابن المنذر ، وهو قول للشافعي ; لحديث أبي أمامة الذي أوردناه .

وروى أبو سعيد ، قال : { قيل يا رسول الله ، أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ - وهي بئر يلقى فيها الحيض ، ولحوم الكلاب ، والنتن - فقال : إن الماء طهور لا ينجسه شيء . } رواه أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وقال : حديث حسن . قال الخلال : قال أحمد : حديث بئر بضاعة صحيح . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم { سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة ، تردها السباع والكلاب والحمر ، وعن الطهارة بها ، فقال : لها ما حملت في بطونها ، ولنا ما غبر طهور } ولم يفرق بين القليل والكثير ; ولأنه لم يظهر عليه إحدى صفات النجاسة ، فلم ينجس بها كالزائد عن القلتين . ووجه الرواية الأولى ، ما روى ابن عمر رضي الله عنه ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل [ ص: 32 ] عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع ، فقال إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث } . رواه أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجه ، وفي لفظ : { إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء } .

وتحديده بالقلتين يدل على أن ما دونهما ينجس ، إذ لو استوى حكم القلتين وما دونهما لم يكن التحديد مفيدا .

وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ، فإنه لا يدري أين باتت يده } . فلولا أنه يفيده منعا لم ينه عنه . أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الإناء من ولوغ الكلب ، وإراقة سؤره ، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير ، مع أن الظاهر عدم التغير ، وخبر أبي أمامة ضعيف ، وخبر بئر بضاعة والخبر الآخر محمولان على الماء الكثير ، بدليل أن ما تغير نجس ، أو نخصهما بخبر القلتين ، فإنه أخص منهما ، والخاص يقدم على العام .

وأما الزائد عن القلتين ، إذا لم يتغير ، ولم تكن النجاسة بولا أو عذرة ، فلا يختلف المذهب في طهارته ، وروي ذلك عن ابن عمر ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وهو قول الشافعي ، وإسحاق ، وأبي عبيدة وأبي ثور ، وهو قول من حكينا عنهم أن اليسير لا ينجس إلا بالتغير .

وحكي عن ابن عباس ، أنه قال : إذا كان الماء ذنوبين لم يحمل الخبث . وقال عكرمة : ذنوبا أو ذنوبين . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الكثير ينجس بالنجاسة ، إلا أن يبلغ حدا يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه . واختلفوا في حده ; فقال بعضهم : ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر .

وقال بعضهم : ما بلغ عشرة أذرع في عشرة أذرع ، وما دون ذلك ينجس ، وإن بلغ ألف قلة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه } . متفق عليه ، فنهى عن الوضوء من الماء الراكد بعد البول فيه ، ولم يفرق بين قليله وكثيره ; ولأنه ماء حلت فيه نجاسة لا يؤمن انتشارها إليه ، فينجس بها كاليسير .

ولنا خبر القلتين ، وبئر بضاعة ، اللذان ذكرناهما ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الماء طهور لا ينجسه شيء } ، مع قولهم له : أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؟ وبئر بضاعة لا يبلغ الحد الذي ذكروه . قال أبو داود : قدرت بئر بضاعة بردائي ، مددته عليها ، ثم ذرعته ، فإذا عرضها ستة أذرع ، وسألت الذي فتح لي باب البستان : هل غير بناؤها عما كانت عليه ؟ قال : لا .

وسألت قيمها عن عمقها ، فقلت : أكثر ما يكون فيها الماء ؟ قال : إلى العانة . قلت : فإذا نقص . قال : دون العورة ; ولأنه ماء يبلغ القلتين ، فأشبه ما زاد على عشرة أذرع ، وحديثهم عام وحديثنا خاص ، فيجب تقديمه .

الثاني ، أن حديثهم لا بد من تخصيصه ، فإن ما زاد على الحد الذي ذكروه لا يمنع من الوضوء به اتفاقا ، وإذا وجب تخصيصه كان تخصيصه بقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من تخصيصه بالرأي والتشهي من غير أصل يرجع إليه ، ولا دليل يعتمد عليه ; ولأن ما ذكروه من الحد تقدير طريقه التوقيف لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع ، وليس معهم نص ولا إجماع ; ولأن حديثهم خاص في البول ، ونحن نقول به على إحدى الروايتين ، ونقصر الحكم على ما تناوله النص ، وهو البول ; لأن له من التأكيد والانتشار في الماء ما ليس لغيره ، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى .

فإن قيل : المراد بقوله : { لم يحمل الخبث } . أي لم يدفع الخبث عن نفسه ، أي أنه ينجس بالواقع فيه . قلنا هذا فاسد لوجوه : أحدها ، أن في بعض ألفاظه { لم ينجس } رواه أبو داود ، وابن ماجه ، واحتج به أحمد .

[ ص: 33 ] الثاني أنه لو أراد أن ما بلغ القلتين في القلة ينجس لكان ما فوقهما لا ينجس ، لتحقق الفرق بينهما ، فإنه جعل القلتين فصلا بين ما يتنجس وما لم يتنجس ; فلو سوينا بينهما لم يبق فصل .

الثالث أن مقتضاه في اللغة أنه يدفع الخبث عن نفسه ، من قولهم : فلان لا يحتمل الضيم . أي يدفعه عن نفسه ، والله أعلم .

( 21 ) فصل : اختلف أصحابنا : هل القلتان خمسمائة رطل تحديدا أو تقريبا ؟ قال : أبو الحسن الآمدي : الصحيح أنها تحديد ، وهو ظاهر قول القاضي ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي ; لأن اعتبار ذلك كان احتياطا ، وما اعتبر احتياطا كان واجبا ، كغسل جزء من الرأس مع الوجه ، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم ; ولأنه قدر يدفع النجاسة عن نفسه ، فاعتبر تحقيقه كالعدد في الغسلات .

والصحيح أن ذلك تقريب ; لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوهما بحد ، إنما قال ابن جريج : القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا . وقال يحيى بن عقيل : أظنها تسع قربتين .

وهذا لا تحديد فيه ; فإن قولهما يدل على أنهما قربا الأمر ، والشيء الزائد عن القربتين مشكوك فيه ، مع أنه يقع على المجهول ، والظاهر قلته ; لأن لفظه يدل على تقارب ما بين الأمرين المذكورين ، وكلما قل الشيء كان أقرب إلى القربتين ، وكلام أحمد يدل على هذا ; فإنه روي عنه أن القلة قربتان ، وروي قربتان ونصف ، وروي : وثلث ، وهذا يدل على أنه لم يحد في ذلك حدا .

ثم ليس للقربة حد معلوم ; فإن القرب تختلف اختلافا كثيرا ، فلا يكاد قربتان يتفقان في حد واحد ، ولهذا لو اشترى منه شيئا مقدرا بالقرب ، أو أسلم في شيء محدود بالقرب ; لم يجز ذلك ; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن الناس لا يكيلون الماء ولا يزنونه ، فلم يكن ليعرفهم الحد بما لا يعرف به ، وإنما أراد أن من وجد ماء فيه نجاسة فظنه مقاربا للقلتين توضأ منه ، وإن ظنه ناقصا عنهما من غير مقاربة لهما تركه .

وفائدة هذا ، أن من اعتبر التحديد ، فنقص عن الحد شيئا يسيرا ، لم يعف عنه ، ونجس بورود النجاسة عليه ، ومن قال بالتقريب عفي عن النقص اليسير عنده ، وتعلق الحكم بما يقارب القلتين ، إن شك في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة أو لا يدفعها ففيه وجهان : أحدهما ، يحكم بطهارته ; لأنه كان طاهرا قبل وقوع النجاسة فيه ، وشك هل ينجس به أو لا ؟ فلا يزول اليقين بالشك .

والثاني يحكم بنجاسته ; لأن الأصل قلة الماء ، فنبني عليه ، ويلزم من ذلك النجاسة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث