الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني فيمن يصلى عليه ومن أولى بالتقديم

الفصل الثاني

فيمن يصلى عليه ، ومن أولى بالتقديم

وأجمع أكثر أهل العلم على إجازة الصلاة على كل من قال لا إله إلا الله ، وفي ذلك أثر أنه قال - عليه الصلاة والسلام - : " صلوا على من قال : لا إله إلا الله " ، وسواء كان من أهل الكبائر أو من أهل البدع ، إلا أن مالكا كره لأهل الفضل الصلاة على أهل البدع ، ولم ير أن يصلي الإمام على من قتله حدا .

واختلفوا فيمن قتل نفسه ، فرأى قوم أنه لا يصلى عليه ، وأجاز آخرون الصلاة عليه .

ومن العلماء من لم يجز الصلاة على أهل الكبائر ولا على أهل البغي والبدع .

والسبب في اختلافهم في الصلاة :

أما في أهل البدع فلاختلافهم في تكفيرهم ببدعهم ، فمن كفرهم بالتأويل البعيد لم يجز الصلاة عليهم ، ومن لم يكفرهم إذ كان الكفر عنده إنما هو تكذيب الرسول لا تأويل أقواله - عليه الصلاة والسلام - قال : الصلاة عليهم جائزة ، وإنما أجمع العلماء على ترك الصلاة على المنافقين مع تلفظهم بالشهادة لقوله تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) الآية .

وأما اختلافهم في أهل الكبائر فليس يمكن أن يكون له سبب إلا من جهة اختلافهم في القول في التكفير بالذنوب ، لكن ليس هذا مذهب أهل السنة ، فلذلك ليس ينبغي أن يمنع الصلاة الفقهاء على أهل الكبائر .

وأما كراهية مالك الصلاة على أهل البدع فذلك لمكان الزجر والعقوبة لهم ، وإنما لم ير مالك صلاة الإمام على من قتله حدا ; " لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على ماعز ، ولم ينه عن الصلاة عليه " خرجه أبو داود .

[ ص: 201 ] وإنما اختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه لحديث جابر بن سمرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبى أن يصلي على رجل قتل نفسه " . فمن صحح هذا الأثر قال : لا يصلى على قاتل نفسه ، ومن لم يصححه رأى أن حكمه حكم المسلمين وإن كان من أهل النار كما ورد به الأثر ، لكن ليس هو من المخلدين لكونه من أهل الإيمان ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - حكاية عن ربه : " أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من الإيمان " . واختلفوا أيضا في الصلاة على الشهداء المقتولين في المعركة ، فقال مالك والشافعي لا يصلى على الشهيد المقتول في المعركة ولا يغسل ، وقال أبو حنيفة : يصلى عليه ولا يغسل .

وسبب اختلافهم : اختلاف الآثار الواردة في ذلك ، وذلك أنه خرج أبو داود من طريق جابر : " أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بشهداء أحد فدفنوا بثيابهم ، ولم يصل عليهم ، ولم يغسلوا " . وروي من طريق ابن عباس مسندا : " أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى على قتلى أحد وعلى حمزة ولم يغسل ولم يتيمم " . وروي ذلك أيضا مرسلا من حديث أبي مالك الغفاري ، وكذلك روي أيضا أن أعرابيا جاءه سهم فوقع في حلقه فمات ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : " إن هذا عبد خرج مجاهدا في سبيلك فقتل شهيدا وأنا شهيد عليه " وكلا الفريقين يرجح الأحاديث التي أخذ بها ، وكانت الشافعية تعتل بحديث ابن عباس هذا وتقول : يرويه ابن أبي الزناد وكان قد اختل آخر عمره ، وقد كان شعبة يطعن فيه . وأما المراسيل فليست عندهم بحجة .

واختلفوا متى يصلى على الطفل فقال مالك : لا يصلى على الطفل حتى يستهل صارخا ، وبه قال الشافعي ; وقال أبو حنيفة يصلى عليه إذا نفخ فيه الروح ، وذلك أنه إذا كان له في بطن أمه أربعة أشهر فأكثر ، وبه قال ابن أبي ليلى .

وسبب اختلافهم في ذلك : معارضة المطلق للمقيد ، وذلك أنه روى الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا " . وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال : " الطفل يصلى عليه " .

فمن ذهب مذهب حديث جابر قال : ذلك عام وهذا مفسر ، فالواجب أن يحمل ذلك العموم على هذا التفسير ، فيكون معنى حديث المغيرة أن الطفل يصلى عليه إذا استهل صارخا .

ومن ذهب مذهب حديث المغيرة قال : معلوم أن المعتبر في الصلاة وهو حكم الإسلام والحياة ، والطفل إذا تحرك فهو حي ، وحكمه حكم المسلمين ، وكل مسلم حي إذا مات صلي عليه ، فرجحوا هذا العموم على ذلك الخصوص لموضع موافقة القياس له ، ومن الناس من شذ وقال : لا يصلى على الأطفال أصلا . وروى أبو داود " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يصل على ابنه إبراهيم وهو ابن ثمانية أشهر " . وروي فيه " أنه صلى عليه وهو ابن سبعين ليلة " .

واختلفوا في الصلاة على الأطفال المسبيين : فذهب مالك في رواية البصريين عنه أن الطفل من أولاد الحربيين لا يصلى عليه حتى يعقل الإسلام ، سواء سبي مع أبويه أو لم يسب معهما ، وأن حكمه حكم أبويه إلا أن يسلم الأب فهو تابع له دون الأم ، ووافقه الشافعي على هذا إلا أنه إن أسلم أحد أبويه فهو عنده تابع لمن أسلم منهما لا للأب وحده على ما ذهب إليه مالك .

[ ص: 202 ] وقال أبو حنيفة : يصلى على الأطفال المسبيين ، وحكمهم حكم من سباهم .

وقال الأوزاعي : إذا ملكهم المسلمون صلي عليهم - يعني : إذا بيعوا في السبي - . قال : وبهذا جرى العمل في الثغر وبه الفتيا فيه .

وأجمعوا على أنه إذا كانوا مع آبائهم ولم يملكهم مسلم ولا أسلم أحد أبويهم أن حكمهم حكم آبائهم .

والسبب في اختلافهم : اختلافهم في أطفال المشركين هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار ؟ وذلك أنه جاء في بعض الآثار أنهم من آبائهم ; أي أن حكمهم حكم آبائهم ، ودليل قوله - عليه الصلاة والسلام - : " كل مولود يولد على الفطرة " أن حكمهم حكم المؤمنين .

وأما من أولى بالتقديم للصلاة على الجنازة : فقيل الولي وقيل الوالي . فمن قال الوالي شبهه بصلاة الجمعة من حيث هي صلاة جماعة ، ومن قال الولي شبهها بسائر الحقوق التي الولي أحق بها ، مثل مواراته ودفنه ، وأكثر أهل العلم على أن الوالي بها أحق .

قال أبو بكر بن المنذر : وقدم الحسين بن علي سعيد بن العاص وهو والي المدينة ليصلي على الحسن بن علي وقال : لولا أنها سنة ما تقدمت ، قال أبو بكر : وبه أقول .

وأكثر العلماء على أنه لا يصلى إلا على الحاضر . وقال بعضهم يصلى على الغائب لحديث النجاشي ، والجمهور على أن ذلك خاص بالنجاشي وحده .

واختلفوا هل يصلى على بعض الجسد ؟ والجمهور على أنه يصلى على أكثره لتناول اسم الميت له ، ومن قال أنه يصلى على أقله قال : لأن حرمة البعض كحرمة الكل ، لاسيما إن كان ذلك البعض محل الحياة ، وكان ممن يجيز الصلاة على الغائب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث