الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الرابع في نصاب الغنم وقدر الواجب من ذلك

الفصل الرابع

في نصاب الغنم وقدر الواجب من ذلك

وأجمعوا من هذا الباب على أن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت على العشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتين ، فإذا زادت على المائتين فثلاث شياه إلى ثلاثمائة ، فإذا زادت على الثلاثمائة ففي كل مائة شاة ، وذلك عند الجمهور إلا الحسن بن صالح فإنه قال : إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة واحدة أن فيها أربع شياه ، وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه ، وروي قوله هذا عن منصور عن إبراهيم ، والآثار الثابتة المرفوعة في كتاب الصدقة على ما قال الجمهور .

واتفقوا على أن المعز تضم مع الغنم ، واختلفوا من أي صنف منها يأخذ المصدق ، فقال مالك : يأخذ [ ص: 220 ] من الأكثر عددا ، فإن استوت خير الساعي . وقال أبو حنيفة : بل الساعي يخير إذا اختلفت الأصناف . وقال الشافعي : يأخذ الوسط من الأصناف المختلفة لقول عمر - رضي الله عنه - : ( نعد عليهم السخلة يحملها الراعي ولا نأخذها ، ولا نأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم ، ونأخذ الجذعة والثنية ) وذلك عدل بين خيار المال ووسطه .

وكذلك اتفق جماعة فقهاء الأمصار على أنه لا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عور لثبوت ذلك في كتاب الصدقة ، إلا أن يرى المصدق أن ذلك خير للمساكين .

واختلفوا في العمياء وذات العلة هل تعد على صاحب المال أم لا ؟ فرأى مالك والشافعي أن تعد ، وروي عن أبي حنيفة أنها لا تعد .

وسبب اختلافهم : هل مطلق الاسم يتناول الأصحاء والمرضى أم لا يتناولهما ؟ .

واختلفوا من هذا الباب في نسل الأمهات هل تعد مع الأمهات فيكمل النصاب بها إذا لم تبلغ نصابا ؟ فقال مالك : يعتد بها ، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور : لا يعتد بالسخال إلا أن تكون الأمهات نصابا .

وسبب اختلافهم : احتمال قول عمر - رضي الله عنه - إذ أمر أن تعتد عليهم بالسخال ولا يؤخذ منها شيء ، فإن قوما فهموا من هذا إذا كانت الأمهات نصابا ، وقوم فهموا هذا مطلقا ، وأحسب أن أهل الظاهر لا يوجبون في السخال شيئا ، ولا يعدون بها لو كانت الأمهات نصابا ولو لم تكن لأن اسم الجنس لا ينطلق عليها عندهم .

وأكثر الفقهاء على أن للخلطة تأثيرا في قدر الواجب من الزكاة . واختلف القائلون بذلك هل لها تأثير في قدر النصاب أم لا ؟ وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تأثيرا ، لا في قدر الواجب ولا في قدر النصاب ، وتفسير ذلك : أن مالكا والشافعي وأكثر فقهاء الأمصار اتفقوا على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد . واختلفوا من ذلك في موضعين :

أحدهما : في نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك واحد ، سواء كان لكل واحد منهم نصاب أو لم يكن ؟ أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهم نصاب ؟ .

والثاني : في صفة الخلطة التي لها تأثير في ذلك .

وأما اختلافهم أولا في هل للخلطة تأثير في النصاب وفي الواجب أو ليس لها تأثير ؟ فسبب اختلافهم : اختلافهم في مفهوم ما ثبت في كتاب الصدقة من قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا يجمع بين مفترق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية " . فإن كل واحد من الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على اعتقاده ، وذلك أن الذين رأوا للخلطة تأثيرا ما في النصاب والقدر الواجب أو في القدر الواجب فقط قالوا : إن قوله - عليه الصلاة والسلام - : " وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية " وقوله : " لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع " يدل دلالة واضحة على أن ملك الخليطين كملك رجل واحد ، فإن هذا الأثر مخصص لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة " إما في الزكاة عند مالك وأصحابه - أعني : في قدر الواجب - ، وإما في الزكاة والنصاب معا عند الشافعي وأصحابه .

[ ص: 221 ] وأما الذين لم يقولوا بالخلطة فقالوا : إن الشريكين قد يقال لهما خليطان ، ويحتمل أن يكون قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا يجمع بين مفترق ، ولا يفرق بين مجتمع " إنما هو نهي للسعاة أن يقسم ملك الرجل الواحد قسمة توجب عليه كثرة الصدقة ، مثل رجل يكون له مائة وعشرون شاة فيقسم عليه إلى أربعين ثلاث مرات ، أو يجمع ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة قالوا : وإذا كان هذا الاحتمال في هذا الحديث وجب أن لا تخصص بهز الأصول الثابتة المجمع عليها - أعني : أن النصاب والحق الواجب في الزكاة يعتبر بملك الرجل الواحد - .

وأما الذين قالوا بالخلطة ، فقالوا : إن لفظ الخلطة هو أظهر في الخلطة نفسها منه في الشركة ، وإذا كان ذلك كذلك فقوله - عليه الصلاة والسلام - فيهما : " إنهما يتراجعان بالسوية " مما يدل على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد ، وأن قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إنهما يتراجعان بالسوية " يدل على أن الخليطين ليسا بشريكين ، لأن الشريكين ليس يتصور بينهما تراجع إذ المأخوذ هو من مال الشركة .

فمن اقتصر على هذا المفهوم ولم يقس عليه النصاب قال : الخليطان إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهما نصاب ، ومن جعل حكم النصاب تابعا لحكم الحق الواجب قال : نصابهما نصاب الرجل الواحد ، كما أن زكاتهما زكاة الرجل الواحد ، وكل واحد من هؤلاء أنزل قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا يجمع بين مفترق ، ولا يفرق بين مجتمع " على ما ذهب إليه .

فأما مالك - رحمه الله تعالى - فإنه قال : معنى قوله : " لا يفرق بين مجتمع " أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة ، فتكون عليهما فيهما ثلاثة شياه ، فإذا افترقا كان على واحد منهما شاة ، ومعنى قوله : " لا يجمع بين مفترق " أن يكون النفر الثلاث لكل واحد منهم أربعون شاة ، فإذا جمعوها كان عليهم شاة واحدة ، فعلى مذهبه النهي إنما هو متجه نحو الخلطاء الذين لكل واحد منهم نصاب .

وأما الشافعي فقال : معنى قوله : " ولا يفرق بين مجتمع " أن يكون رجلان لهما أربعون شاة ، فإذا فرقا غنمهما لم يجب عليهما فيها زكاة ، إذ كان نصاب الخلطاء عنده نصاب ملك واحد في الحكم .

وأما القائلون بالخلطة فإنهم اختلفوا فيما هي الخلطة المؤثرة بالزكاة :

فأما الشافعي فقال : إن من شرط الخلطة أن تختلط ماشيتهما وتراحا لواحد وتحلبا لواحد ، وتسرحا لواحد ، وتسقيا معا ، وتكون فحولهما مختلطة . ولا فرق عنده بالجملة والشركة ولذلك يعتبر كمال النصاب لكل واحد من الشريكين كما تقدم .

وأما مالك : فالخليطان عنده ما اشتركا في الدلو والحوض والمراح والراعي والفحل ، واختلف أصحابه في مراعاة بعض هذه الأوصاف أو جميعها .

وسبب اختلافهم : اشتراك اسم الخلطة ، ولذلك لم ير قوم تأثير الخلطة في الزكاة ، وهو مذهب أبي محمد بن حزم الأندلسي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث