الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الركن الثاني وهو الإمساك

الركن الثاني

وهو الإمساك

وأجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب والجماع لقوله - تعالى - : ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) .

واختلفوا من ذلك في مسائل : منها مسكوت عنها ، ومنها منطوق بها :

أما المسكوت عنها :

إحداها : فيما يرد الجوف مما ليس بمغذ ، وفيما يرد الجوف من غير منفذ الطعام والشراب مثل الحقنة ، وفيما يرد باطن سائر الأعضاء ولا يرد الجوف مثل أن يرد الدماغ ولا يرد المعدة .

وسبب اختلافهم في هذه هو : قياس المغذي على غير المغذي ، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي . فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق المغذي بغير المغذي ، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة ، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي وغير المغذي .

وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عن ما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل ، مغذيا كان أو غير مغذ .

وأما ما عدا المأكول والمشروب من المفطرات فكلهم يقولون : إن من قبل فأمنى فقد أفطر وإن أمذى فلم يفطر إلا مالك .

واختلفوا في القبلة للصائم ، فمنهم من أجازها ، ومنهم من كرهها للشاب وأجازها للشيخ ومنهم من كرهها على الإطلاق .

فمن رخص فيها فلما روي من حديث عائشة وأم سلمة : " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يقبل وهو صائم " . ومن كرهها فلما يدعوا إليه من الوقاع . وشذ قوم فقالوا : القبلة تفطر ، واحتجوا لذلك بما روي عن ميمونة بنت سعد قالت : " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة للصائم فقال : " أفطرا جميعا " . خرج هذا الأثر الطحاوي ولكن ضعفه .

وأما ما يقع من هذه من قبل الغلبة ومن قبل النسيان : فالكلام فيه عند الكلام في المفطرات وأحكامها .

[ ص: 243 ] وأما ما اختلفوا فيه مما هو منطوق به : فالحجامة والقيء .

أما الحجامة فإن فيها ثلاثة مذاهب : قوم قالوا : إنها تفطر وأن الإمساك عنها واجب ، وبه قال أحمد وداود والأوزاعي وإسحاق بن راهويه .

وقوم قالوا : إنها مكروهة للصائم وليست تفطر ، وبه قال مالك والشافعي والثوري .

وقوم قالوا : إنها غير مكروهة ولا مفطرة ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه .

وسبب اختلافهم : تعارض الآثار الواردة في ذلك ، وذلك أنه ورد في ذلك حديثان :

أحدهما : ما روي من طريق ثوبان ومن طريق رافع بن خديج أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : " أفطر الحاجم والمحجوم " . وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد .

والحديث الثاني : حديث عكرمة عن ابن عباس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم " . وحديث ابن عباس هذا صحيح .

فذهب العلماء في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب :

أحدها : مذهب الترجيح .

والثاني : مذهب الجمع .

والثالث : مذهب الإسقاط عند التعارض والرجوع إلى البراءة الأصلية إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ .

فمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان ، وذلك أن هذا موجب حكما ، وحديث ابن عباس رافعه ، والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع لأن الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل لم يرتفع إلا بطريق يوجب العمل برفعه ، وحديث ثوبان قد وجب العمل به ، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون منسوخا ، وذلك شك ، والشك لا يوجب عملا ولا يرفع العلم الموجب للعمل ، وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرا في العلم .

ومن رام الجمع بينهما حمل حديث النهي على الكراهية وحديث الاحتجام على الحظر .

ومن أسقطهما للتعارض قال بإباحة الاحتجام للصائم .

وأما القيء : فإن جمهور الفقهاء على أن من ذرعه القيء فليس بمفطر ، إلا ربيعة فإنه قال : إنه مفطر ، وجمهورهم أيضا على أنه من استقاء فقاء فإنه مفطر إلا طاوسا .

وسبب اختلافهم : ما يتوهم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة ، واختلافهم أيضا في تصحيحها ، وذلك أنه ورد في هذا الباب حديثان :

أحدهما : حديث أبي الدرداء : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر " قال معدان : فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت له : إن أبا الدرداء حدثني " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر ، قال : صدق أنا صببت له وضوءه " وحديث ثوبان هذا صححه الترمذي .

والآخر : حديث أبي هريرة خرجه الترمذي وأبو داود أيضا أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال : " من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فعليه القضاء " . وروي موقوفا عن ابن عمر .

[ ص: 244 ] فمن لم يصح عنده الأثران كلاهما قال : ليس فيه فطر أصلا . ومن أخذ بظاهر حديث ثوبان ورجحه على حديث أبي هريرة أوجب الفطر من القيء بإطلاق . ولم يفرق بين أن يستقيء أو لا يستقيء . ومن جمع بين الحديثين وقال حديث ثوبان مجمل وحديث أبي هريرة مفسر ، والواجب حمل المجمل على المفسر فرق بين القيء والاستقاءة ، وهو الذي عليه الجمهور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث