الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


تنبيهات

الأول : زعم بعضهم أن شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصال المنفي عنه بذلك الشيء ، وهو مردود بقوله تعالى : وما ربك بغافل عما يعملون [ الأنعام : 132 ] ، وما كان ربك نسيا [ مريم : 64 ] ، لا تأخذه سنة ولا نوم [ البقرة : 255 ] ، ونظائره . والصواب أن انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا ، وقد يكون لكونه لا يقع منه مع إمكانه .

الثاني : نفي الذات الموصوفة : قد يكون نفيا للصفة دون الذات ، وقد يكون نفيا للذات أيضا .

من الأول : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام [ الأنبياء : 8 ] ؛ أي : بل هم جسد يأكلونه .

ومن الثاني : لا يسألون الناس إلحافا [ البقرة : 273 ] ؛ أي : لا سؤال لهم [ ص: 135 ] أصلا ، فلا يحصل منهم إلحاف . ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع [ غافر : 18 ] ؛ أي : لا شفيع لهم أصلا . فما تنفعهم شفاعة الشافعين [ المدثر : 48 ] ؛ أي : لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم ، بدليل : فما لنا من شافعين [ الشعراء : 100 ] . ويسمى هذا النوع عند أهل البديع نفي الشيء بإيجابه .

وعبارة ابن رشيق في تفسيره : أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه ، بأن ينفي ما هو من سببه كوصفه ، وهو المنفي في الباطن .

وعبارة غيره : أن ينفى الشيء مقيدا ، والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له . ومنه : ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به [ المؤمنون : 117 ] ، فإن الإله مع الله لا يكون إلا عن غير برهان . ويقتلون النبيين بغير الحق [ البقرة : 61 ] ، فإن قتلهم لا يكون إلا بغير حق . رفع السماوات بغير عمد ترونها [ الرعد : 2 ] ، فإنها لا عمد لها أصلا .

الثالث : قد ينفى الشيء رأسا لعدم كمال وصفه أو انتفاء ثمرته ، كقوله في صفة أهل النار : ثم لا يموت فيها ولا يحيا [ الأعلى : 13 ] ، فنفى عنه الموت ؛ لأنه ليس بموت صريح ، ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة .

وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [ الأعراف : 198 ] ، فإن المعتزلة احتجوا بها على نفي الرؤية ، فإن النظر في قوله تعالى : إلى ربها ناظرة [ القيامة : 23 ] ، لا يستلزم الإبصار . ورد بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه ، وليست تبصر شيئا .

ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون [ البقرة : 102 ] ، فإنه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسمي ، ثم نفاه آخرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم . قاله السكاكي .

الرابع : قالوا : المجاز يصح نفيه ، بخلاف الحقيقة ، وأشكل على ذلك : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [ الأنفال : 17 ] ، فإن المنفي فيه الحقيقة .

وأجيب : بأن المراد بالرمي هنا المترتب عليه ؛ وهو وصوله إلى الكفار ، فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة ، والتقدير : وما رميت خلقا إذ رميت كسبا ، أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء .

[ ص: 136 ] الخامس : نفي الاستطاعة قد يراد به نفي القدرة والإمكان ، وقد يراد به نفي الامتناع ، وقد يراد به الوقوع بمشقة وكلفة .

من الأول : فلا يستطيعون توصية [ يس : 50 ] ، فلا يستطيعون ردها [ الأنبياء : 40 ] ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا [ الكهف : 97 ] .

ومن الثاني : هل يستطيع ربك [ المائدة : 112 ] ، على القراءتين ، أي : هل يفعل أو هل تجيبنا إلى أن تسأل ؟ فقد علموا أنه قادر على الإنزال ، وأن عيسى قادر على السؤال .

ومن الثالث : إنك لن تستطيع معي صبرا [ الكهف : 67 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث