الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 502 ) مسألة : قال : ( ومن كانت لها أيام فرأت الطهر قبل ذلك ، فهي طاهر ، تغتسل وتصلي ، فإن عاودها الدم ، لم تلتفت إليه حتى تجيء أيامها ) الكلام في هذه المسألة في فصلين : أحدهما ، في الطهر بين الدمين . والثاني ، في حكم الدم العائد بعده .

[ ص: 214 ] فصل : أما الأول ، فإن المرأة متى رأت الطهر فهي طاهر تغتسل ، وتلزمها الصلاة والصيام ، سواء رأته في العادة ، أو بعد انقضائها ، ولم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره ; لقول ابن عباس : أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل . ويتوجه أن انقطاع الدم متى نقص عن اليوم ، فليس بطهر بناء على الرواية التي حكيناها في النفاس ، أنها لا تلتفت إلى ما دون اليوم .

وهو الصحيح إن شاء الله ; لأن الدم يجري مرة ، وينقطع أخرى ، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج ينتفي بقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } . ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرا ، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم ، أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض ، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرا ، إلا أن ترى ما يدل عليه ، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها ، أو ترى القصة البيضاء ، وهو شيء يتبع الحيض أبيض ، يسمى الترية .

روي ذلك عن إمامنا ، وروي عنه أن القصة البيضاء هي القطنة التي تحشوها المرأة ، إذا خرجت بيضاء كما دخلت لا تغير عليها فهي القصة البيضاء بضم القاف . حكي ذلك عن الزهري . وروي عن إمامنا أيضا ، وقال أبو حنيفة : ليس النقاء بين الدمين طهرا ، بل لو صامت فيه فرضا لم يصح ، ولزمها قضاؤه ، ولا يجب عليها فيه صلاة ، ولا يأتيها زوجها ، فيكون الدمان وما بينهما حيضا .

وهو أحد قولي الشافعي ; لأن الدم يسيل تارة وينقطع أخرى ; ولأنه لو لم يكن من الحيض لم يحتسب من مدته ، ولنا قول الله تعالى : { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } . وصف الحيض بكونه أذى ، فإذا ذهب الأذى وجب أن يزول الحيض . وقال ابن عباس : أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي ، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل . وقالت عائشة : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ; ولأنها صامت وهي طاهر ، فلم يلزمها القضاء ، كما لو لم يعد الدم .

فأما قولهم : إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى . قلنا ; لا عبرة بالانقطاع اليسير ، وإنما إذا وجد انقطاع كبير يمكن فيه الصلاة والصيام ، وتتأدى العبادة فيه ، وجبت عليها ; لعدم المانع من وجوبها .

( 504 ) فصل : الفصل الثاني ، إذا عاودها الدم ، فلا يخلو إما أن يعاودها في العادة ، أو بعدها ، فإن عاودها في العادة ، ففيه روايتان : إحداهما ، أنه من حيضها ; لأنه صادف زمن العادة ، فأشبه ما لو لم ينقطع ، وهذا مذهب الثوري ، وأصحاب الرأي ، والشافعي .

والثانية ، ليس بحيض ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، واختيار ابن أبي موسى ، ومذهب عطاء ; لأنه عاد بعد طهر صحيح ، فأشبه ما لو عاد بعد العادة . وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم ما لو عاد بعد العادة على ما سنذكره فيما بعد ، إن شاء الله تعالى . وقد روي عن أحمد ، رحمه الله : إذا كانت أيامها عشرا ، فقعدت خمسا ، ثم رأت الطهر ، فإنها تصلي ، فإذا كان اليوم التاسع أو الثامن ، فرأت الدم ، صلت وصامت ، وتقضي الصوم .

وهذا على سبيل الاحتياط ; لوجود التردد في هذا الدم ، فأشبه دم النفساء العائد في مدة النفاس . فإن رأته في العادة ، وتجاوز العادة ، لم يخل من أن يعبر أكثر الحيض أو لا يعبر ، فإن عبر أكثر الحيض ، فليس بحيض ; لأن بعضه ليس بحيض ، فيكون كله استحاضة ; لأنه متصل به ، فكان أقرب إليه ، فإلحاقه بالاستحاضة أقرب من إلحاقه [ ص: 215 ] بالحيض ; لانفصاله عنه ، وإن انقطع لأكثره فما دون ، فمن قال : إن ما لم يعبر العادة ليس بحيض .

فهذا أولى أن لا يكون حيضا ، ومن قال : هو حيض . ففي هذا على قوله ثلاثة أوجه : أحدها ، أن جميعه حيض ، بناء على الوجه الذي ذكرنا في أن الزائد على العادة حيض ، ما لم يعبر أكثر الحيض . والثاني ، أن ما وافق العادة حيض ; لموافقته العادة ، وما زاد عليها ليس بحيض ; لخروجه عنها . والثالث ، أن الجميع ليس بحيض ; لاختلاطه بما ليس بحيض . فإن تكرر فهو حيض ، على الروايتين جميعا . فأما إن عاد بعد العادة لم يخل من حالين : أحدهما ، أن لا يمكن كونه حيضا .

والثاني ، أن يمكن ذلك ; فإن لم يمكن كونه حيضا لعبوره أكثر الحيض ، وأنه ليس بينه وبين الدم أقل الطهر ، فهذا استحاضة كله ، سواء تكرر أو لم يتكرر ; لأنه لا يمكن جعل جميعه حيضا ، فكان جميعه استحاضة ; لأن إلحاق بعضه ببعض أولى من إلحاقه بغيره . والثاني ، أن يمكن جعله حيضا ، وذلك يتصور في حالين ; أحدهما ، أن يكون بضمه إلى الدم الأول لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما ، فإذا تكرر جعلناهما حيضة واحدة ، ويلفق أحدهما إلى الآخر ، ويكون الطهر الذي بينهما طهرا في خلال الحيض .

والصورة الثانية ، أن يكون بينهما أقل الطهر ، إما ثلاثة عشر يوما ، أو خمسة عشر يوما ، ويكون كل واحد من الدمين يصلح أن يكون حيضا بمفرده بأن يكون يوما وليلة فصاعدا ، فهذا إذا تكرر كان الدمان حيضتين ، وإن نقص أحدهما عن أقل الحيض ، فهو دم فساد ، إذا لم يمكن ضمه إلى ما بعده .

ومثال ذلك ما لو كانت عادتها عشرة من أول الشهر ، فرأت خمسة منها دما ، وطهرت خمسة ، ثم رأت خمسة دما ، وتكرر ذلك . فالخمسة الأولى والثانية حيضة واحدة تلفق الدم الثاني إلى الأول . وإن رأت الثاني ستة أو سبعة ، لم يمكن أن يكون حيضا ; لأن بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوما ، وليس بينهما أقل الطهر . وإن رأت يوما دما وثلاثة عشر طهرا ، ثم رأت يوما دما وتكرر هذا ، كانا حيضتين ، وصار شهرها أربعة عشر يوما . وكذلك إن رأت يومين دما وثلاثة عشر طهرا ، ثم رأت يومين دما وثلاثة عشر طهرا ، ثم رأت يومين دما ، وتكرر شهرها خمسة عشر يوما .

وإن كان الطهر بينهما أحد عشر يوما فما دون وتكرر ، فهما حيضة واحدة ; لأنه ليس بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما ، ولا بينهما أقل الطهر . وإن كان بينهما اثنا عشر يوما طهرا ، لم يمكن كونهما جميعا حيضا ; لأنه لا يمكن كونهما حيضة واحدة ; لزيادتهما بما بينهما من الطهر على أكثر الحيض ، ولا يمكن جعلهما حيضتين ; لأنه ليس بينهما أقل الطهر ، فيكون حيضها منهما ما وافق العادة ، والآخر استحاضة . وعلى هذا كل ما يتفرع من المسائل ، إلا أنها لا تلتفت إلى ما رأته بعد الطهر فيما خرج عن العادة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثا ، فإن تكرر ، وأمكن جعله حيضا ، فهو حيض ، وإلا فلا . وكل موضع رأت الدم ولم تترك العبادة فيه ، ثم تبين أنه كان حيضا ، فعليها قضاء الصوم المفروض فيه . وكل موضع عدته حيضا وتركت فيه العبادة ، ثم تبين أنه طهر ، فعليها قضاء ما تركته من الواجبات فيه .

( 505 ) فصل : واختلف أصحابنا في مراد الخرقي ، رحمه الله ، بقوله : " فإن عاودها الدم فلا تلتفت إليه . فقال أبو الحسن التميمي ، والقاضي ، وابن عقيل : أراد إذا عاودها بعد العادة ، وعبر أكثر الحيض ، بدليل أنه منعها [ ص: 216 ] أن تلتفت إليه مطلقا ، ولو أراد غير ذلك لقال : حتى يتكرر . قال القاضي : ويحتمل أنه أراد إذا عاودها بعد العادة ولم يعبر . فإنها لا تلتفت إليه قبل التكرار .

وقال أبو حفص العكبري : أراد معاودة الدم في كل حال ، سواء كان في العادة أو بعدها ; لأن لفظه مطلق فيتناول بإطلاقه الزمان كله . وهذا أظهر ، إن شاء الله . وما ذكروه من الترجيح معارض بمثله ، وهو أن قولهم يحتاج إلى إضمار عبور أكثر الحيض ، وليس هذا أولى من إضمار التكرار ، فيتساويان ، ويسلم الترجيح الذي ذكرناه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث