الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة رأت الدم ولها خمسون سنة

جزء التالي صفحة
السابق

( 508 ) مسألة : قال : وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة ، فلا تدع الصوم ، ولا الصلاة ، وتقضي الصوم احتياطا ، فإن رأته بعد الستين ، فقد زال الإشكال ; وتيقن أنه ليس بحيض ، فتصوم وتصلي ولا تقضي . اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله ، في هذه المسألة فالذي نقل الخرقي هاهنا ، أنها لا تيأس من الحيض يقينا إلى ستين سنة ، وما تراه فيما بين الخمسين والستين مشكوك فيه ، لا تترك له الصلاة ، ولا الصوم ; لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك ، وتقضي الصوم المفروض احتياطا ; لأن وجوبه كان متيقنا ، وما صامته في زمن الدم مشكوك في صحته ، فلا يسقط به ما تيقن وجوبه .

وروي عنه ما يدل على أنها بعد الخمسين لا تحيض . وكذلك قال إسحاق بن راهويه لا يكون حيضا بعد الخمسين ، ويكون حكمها فيما تراه من الدم حكم المستحاضة ; لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض . وروي عنها أنها قالت : لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين . وروي عنه أن نساء الأعاجم يئسن من المحيض في خمسين ، ونساء بني هاشم وغيرهم من العرب إلى ستين سنة وهو قول أهل المدينة لما روى الزبير بن بكار في كتاب النسب عن بعضهم ، أنه قال : لا تلد لخمسين سنة إلا العربية ، ولا تلد لستين إلا قرشية .

وقال : إن هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة . وقال أحمد في امرأة من العرب رأت الدم بعد الخمسين إن عاودها مرتين أو ثلاثة فهو حيض ، وذلك لأن المرجع في هذا إلى الوجود ، وقد وجد حيض من نساء ثقات أخبرن به عن أنفسهن بعد الخمسين ، فوجب اعتقاد كونه حيضا كما قبل الخمسين ; ولأن الكلام فيما إذا وجد من المرأة دم في زمن عادتها على وجه كانت تراه قبل ذلك ، فالوجود هاهنا دليل الحيض ، كما كان قبل الخمسين دليلا ، فوجب جعله حيضا ، وأما إيجاب الصلاة والصوم فيه فللاحتياط ، لوقوع الخلاف فيه ، والصحيح أنه لا فرق بين نساء العرب وغيرهن لأنهن لا يختلفن في سائر أحكام الحيض ، فكذلك في هذا ، وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه ; لأن وجود الحيض أمر حقيقي ، المرجع فيه إلى الوجود ، والوجود لا علم لها به .

ثم قد وجد بخلاف ما قالته ; فإن موسى بن عبد الله بن حسن قد ولدته أمه بعد الخمسين ، ووجد الحيض فيما بعد الخمسين على وجهه ، فلا يمكن إنكاره ، فإن قيل : [ ص: 220 ] هذا الدم ليس بحيض ، مع كونه على صفته ، وفي وقته وعادته ، بغير نص فهذا تحكم لا يقبل فأما بعد الستين فقد زال الإشكال وتيقن أنه ليس بحيض ; لأنه لم يوجد وقد علم أن للمرأة حالا تنتهي فيه إلى الإياس لقول الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم لا يكون حيضا ، هو بمنزلة الجرح وإن اغتسلت فحسن .

وقال عطاء : هي بمنزلة المستحاضة . ومعنى القولين واحد ; وذلك لأن هذا الدم إذا لم يكن حيضا فهو دم فساد ، وحكمها حكم المستحاضة ومن به سلس البول ، على ما مر حكمهما

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث