الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنبيه الآيات التي أشكلت مناسبتها لما قبلها

تنبيه .

من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها :

من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة : لا تحرك به لسانك لتعجل به [ القيامة : 7 ] الآيات فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عسر جدا ، فإن السورة كلها في أحوال القيامة حتى زعم بعض الرافضة أنه سقط من السورة شيء ، وحتى ذهب القفال فيما حكاه الفخر الرازي أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل في قوله : [ ص: 222 ] ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ القيامة : 13 ] . قال : يعرض عليه كتابه فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفا ، فأسرع في القراءة ، فيقال له : لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا أن نجمع عملك وأن نقرأ عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت ثم إن علينا بيان أمر الإنسان وما يتعلق بعقوبته انتهى .

وهذا يخالف ما ثبت في الصحيح أنها نزلت في تحريك النبي صلى الله عليه وسلم لسانه حالة نزول الوحي عليه ، وقد ذكر الأئمة لها مناسبات .

. منها : أنه تعالى لما ذكر القيامة وكان من شأن من يقصر عن العمل لها حب العاجلة ، وكان من أصل الدين أن المبادرة إلى أفعال الخير مطلوبة ، فنبه على أنه قد يعترض على هذا المطلوب ما هو أجل منه ، وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يرد منه والتشاغل بالحفظ ، قد يصد عن ذلك ، فأمر بأن لا يبادر إلى التحفظ ، لأن تحفيظه مضمون على ربه ، وليصغ إلى ما يرد عليه إلى أن ينقضي ، فيتبع ما اشتمل عليه ثم لما انقضت الجملة المعترضة رجع الكلام إلى ما يتعلق بالإنسان المبتدأ بذكره ، ومن هو من جنسه ، فقال : كلا وهي كلمة ردع كأنه قال : بل أنتم يا بني آدم لكونكم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة .

ومنها : أن عادة القرآن إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد حيث يعرض يوم القيامة أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملا وتركا .

كما قال في الكهف : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه إلى أن قال : ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل [ الكهف : 49 - 54 ] . الآية . وقال في سبحان : فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم إلى أن قال : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن [ الإسراء : 71 - 89 ] . الآية .

وقال في طه يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا إلى أن قال : فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه [ طه : 102 - 114 ] .

[ ص: 223 ] ومنها : أن أول السورة لما نزل إلى ولو ألقى معاذيره صادف أنه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بادر إلى تحفظ الذي نزل ، وحرك به لسانه من عجلته خشية من تفلته ، فنزل لا تحرك به لسانك لتعجل به إلى قوله ثم إن علينا بيانه [ القيامة : 15 - 19 ] . ثم عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدئ به .

قال الفخر الرازي : ونحوه ما لو ألقى المدرس على الطالب مثلا مسألة فتشاغل الطالب بشيء عرض له فقال له : ألق إلي بالك وتفهم ما أقول ، ثم كمل المسألة . فمن لا يعرف السبب يقول : ليس هذا الكلام مناسبا للمسألة ، بخلاف من عرف ذلك .

ومنها : أن النفس لما تقدم ذكرها في أول السورة ، عدل إلى ذكر نفس المصطفى كأنه قيل : هذا شأن النفوس ، وأنت يا محمد نفسك أشرف النفوس ، فلتأخذ بأكمل الأحوال .

ومن ذلك قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة [ البقرة : 189 ] . الآية فقد يقال : أي رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت ؟

وأجيب بأنه من باب الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج وكان هذا من أفعالهم في الحج كما ثبت في سبب نزولها ذكر معه من باب الزيادة في الجواب على ما في السؤال كما سئل عن ماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .

ومن ذلك قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب [ البقرة : 114 ] . الآية فقد يقال : ما وجه اتصاله بما قبله ، وهو قوله : ومن أظلم ممن منع مساجد الله [ البقرة : 114 ] . الآية .

وقال الشيخ أبو محمد الجويني في تفسيره : سمعت أبا الحسن الدهان يقول : وجه اتصاله هو أن ذكر تخريب بيت المقدس قد سبق ، أي : فلا يجرمنكم ذلك واستقبلوه ، فإن له المشرق والمغرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث