الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة

المسألة الأولى : اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها ، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم ، ويدل لهذا قوله تعالى : غنمتم فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال : فأن لله خمسه ، علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم ، ونظير ذلك قوله تعالى : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ، أي : ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعا ، فكذلك قوله : فأن لله خمسه ، أي : وللغانمين ما بقي ، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه ، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر ، وابن عبد البر ، والداودي ، والمازري ، والقاضي عياض ، وابن العربي ، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة ، وخالف في ذلك بعض أهل العلم ، وهو قول كثير من المالكية ، ونقله عنهم المازري رحمه الله أيضا ، قالوا : للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين ، ويمنع منها الغزاة الغانمين .

واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الآية [ 18 \ 1 ] قالوا : الأنفال : الغنائم كلها ، والآية محكمة لا منسوخة ، واحتجوا لذلك أيضا بما وقع في فتح مكة ، وقصة حنين قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل ، ومن على أهلها فردها عليهم ، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش ، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، قالوا : وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين ، أعطى منها عطايا عظيمة جدا ، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى الله عليه وسلم ، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله : [ الرجز ]

[ ص: 57 ]

أعطى عطايا شهدت بالكرم يومئذ له ولم تجمجم     أعطى عطايا أخجلت دلح الديم
إذ ملأت رحب الغضا من النعم     زهاء ألفي ناقة منها وما
ملأ بين جبلين غنما     لرجل وبله ما لحلقه
منها ومن رقيقه وورقه

إلخ . . .

قالوا : لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها ، لما أعطى صلى الله عليه وسلم ألفي ناقة من غنائم هوازن لغير الغزاة ، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية ، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل ، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري ، حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي ، وقال في ذلك شعره المشهور : [ المتقارب ]


أتجعل نهبي ونهب العبيد     بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس     يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما     ومن تضع اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ     فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أباعير أعطيتها     عديد قوائمه الأربع
وكانت نهابا تلافيتها     بكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم إن يرقدوا     إذا هجع الناس لم أهجع

قالوا : فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش الغانمين واجبا ، لما فضل الأقرع وعيينة في العطاء من الغنيمة على العباس بن مرداس في أول الأمر قبل أن يقول شعره المذكور ، وأجيب من جهة الجمهور عن هذه الاحتجاجات : فالجواب عن آية يسألونك عن الأنفال هو ما قدمنا من أنها منسوخة بقوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية [ 8 \ 41 ] ، ونسبه القرطبي لجمهور العلماء ، والجواب عما وقع في فتح مكة من أوجه :

الأول : أن بعض العلماء زعموا أن مكة لم تفتح عنوة ، ولكن أهلها أخذوا الأمان منه صلى الله عليه وسلم ، وممن قال بهذا الشافعي رحمه الله .

واستدل قائلوا هذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " ، وهو [ ص: 58 ] ثابت في الصحيح ، وهذا الخلاف في مكة هل أخذها النبي صلى الله عليه وسلم عنوة ؟ وهو قول الجمهور ، أو أخذ لها الأمان ; والأمان شبه الصلح ، عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله : في غزوة الفتح يعني مكة : [ الرجز ]

واختلفوا فيها فقيل أمنت وقيل عنوة وكرها أخذت والحق أنها فتحت عنوة كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله ، ومن أظهر الأجوبة عما وقع في فتح مكة ، أن مكة ليست كغيرها من البلاد ; لأنها حرام بحرمة الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة ، وإنما أحلت له صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده ، وما كان بهذه المثابة ، فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة .

وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ; ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين ، ويدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع أن بعض الأنصار قال : يمنعنا ويعطي قريشا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم ، جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلمهم كلامه المشهور البالغ في الحسن ، ومن جملته أنه قال لهم : " ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم " ، إلى آخر كلامه ، فرضي القوم ، وطابت نفوسهم ، وقالوا : رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا ، وهذا ثابت في الصحيح ، ونوه الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بحسن هذا الكلام الذي خاطبهم به صلى الله عليه وسلم بقوله : في غزوة حنين : [ الرجز ]


ووكل الأنصار خير العالمين     لدينهم إذ ألف المؤلفين
فوجدوا عليه أن منعهم     فأرسل النبي من جمعهم
وقال قولا كالفريد المؤنق     عن نظمه ضعف سلك منطقي

فالحاصل أن أربعة أخماس الغنيمة التي أوجف الجيش عليها الخيل والركاب للغزاة الغانمين على التحقيق ، الذي لا شك فيه ، وهو قول الجمهور .

وقد علمت الجواب عن حجج المخالفين في ذلك ; ومن العلماء من يقول : لا يجوز للإمام أن ينفل أحدا شيئا من هذه الأخماس الأربعة ; لأنها ملك للغانمين ، وهو قول مالك .

[ ص: 59 ] وذهب بعض العلماء إلى أن للإمام أن ينفل منها بعض الشيء باجتهاده ، وهو أظهر دليلا ، وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث