الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      المسألة السابعة : اختلف العلماء في حرق رحل الغال من الغنيمة ، والمراد بالغال من يكتم شيئا من الغنيمة ، فلا يطلع عليه الإمام ، ولا يضعه مع الغنيمة .

                                                                                                                                                                                                                                      قال بعض العلماء : يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وبه قال الحسن وفقهاء الشام ، منهم مكحول ، والأوزاعي ، والوليد بن هشام ، ويزيد بن يزيد بن جابر ، وأتى سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه ، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال يزيد بن يزيد بن جابر : السنة في الذي يغل أن يحرق رحله ، رواهما سعيد في سنته ، قاله ابن قدامة في " المغني " .

                                                                                                                                                                                                                                      ومن حجج أهل هذا القول : ما رواه أبو داود في سننه ، عن صالح بن محمد بن زائدة قال أبو داود وصالح هذا أبو واقد قال : دخلت مع مسلمة أرض الروم ، فأتى برجل قد غل ، فسأل سالما عنه فقال : سمعت أبي يحدث ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه " ، قال : فوجدنا في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه ، فقال : بعه وتصدق بثمنه . اهـ بلفظه من أبي داود .

                                                                                                                                                                                                                                      وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضا الأثرم ، وسعيد ، وقال أبو داود أيضا : حدثنا أبو صالح [ ص: 96 ] محبوب بن موسى الأنطاكي ، قال : أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد ، قال : غزونا مع الوليد بن هشام ، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، فغل رجل متاعا ، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ، ولم يعطه سهمه ، قال أبو داود : وهذا أصح الحديثين رواه غير واحد : أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد ، وكان قد غل ، وضربه .

                                                                                                                                                                                                                                      حدثنا محمد بن عوف ، قال : ثنا موسى بن أيوب ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ثنا زهير بن محمد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر ، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه " .

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو داود : وزاد فيه علي بن بحر : عن الوليد ، ولم أسمعه منه ، ومنعوه سهمه ، قال أبو داود : وحدثنا به الوليد بن عتبة ، وعبد الوهاب بن نجدة ، قالا : ثنا الوليد ، عن زهير بن محمد ، عن عمرو بن شعيب قوله ، ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي منع سهمه ، اهـ من أبي داود بلفظه ، وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضا الترمذي ، والحاكم ، والبيهقي .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة ، الذي يقال له أبو واقد الليثي ، وهو منكر الحديث .

                                                                                                                                                                                                                                      قال المنذري : وصالح بن محمد بن زائدة : تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، وقد قيل : إنه تفرد به ، وقال البخاري : عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول ، وهو باطل ليس بشيء ، وقال الدارقطني : أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد ، قال : وهذا حديث لم يتابع عليه ، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                                      والمحفوظ أن سالما أمر بذلك ، وصحح أبو داود وقفه ، فرواه موقوفا من وجه آخر ، وقال : هذا أصح كما قدمنا ، وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود ، أخرجه أيضا الحاكم ، والبيهقي ، وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني ، وقد قال فيه ابن حجر في " التقريب " : رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة ، فضعف بسببها ، وقال البخاري عن أحمد : كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر ، وقال أبو حاتم : حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه . اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال البيهقي : ويقال إنه غير الخراساني ، وإنه مجهول . اهـ ، وقد علمت فيما قدمنا [ ص: 97 ] عن أبي داود ، أنه رواه من وجه آخر موقوفا على عمرو بن شعيب وقال ابن حجر : إن وقفه هو الراجح .

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب الأئمة الثلاثة ، مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة : إلى أنه لا يحرق رحله ، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل غال ، و بما رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس ، فيجيئون بغنائمهم ، فيخمسه ، ويقسمه ، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر ، فقال : يا رسول الله ، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة ، فقال : " أسمعت بلالا ينادي ثلاثا " ، قال : نعم ، قال : " فما منعك أن تجيء به ؟ " فاعتذر إليه ، فقال : " كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك " ، هذا لفظ أبي داود ، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود ، والمنذري ، وأخرجه الحاكم وصححه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال البخاري : قد روي في غير حديث عن الغال ، ولم يؤمر بحرق متاعه ، فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى ، وهم أكثر العلماء .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة : هو ما اختاره ابن القيم ، قال في " زاد المعاد " بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة : والصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة ، فإنه حرق وترك ، وكذلك خلفاؤه من بعده ، ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة ، فليس بحد ، ولا منسوخ ، وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام . اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      وإنما قلنا : إن هذا القول أرجح عندنا ; لأن الجمع واجب إذا أمكن ، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة ، كما علم في الأصول ، والعلم عند الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                      أما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل القسم ، أو وطئ جارية منها قبل القسم ، فقال مالك وجل أصحابه : يحد حد الزنى والسرقة في ذلك ; لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة ، بل بالقسم .

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة ; لأن استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد ، وبعض من قال بهذا يقول : إن ولدت فالولد حر يلحق نسبه به ، وهو قول أحمد ، والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة ، وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى ، فقال : لا يحد للزنى ، ويقطع إن سرق أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 98 ] وبهذا قال عبد الملك من المالكية ، كما نقله عنه ابن المواز .

                                                                                                                                                                                                                                      واختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم الغنيمة ، هل يورث عنه نصيبه ؟

                                                                                                                                                                                                                                      فقال مالك في أشهر الأقوال ، والشافعي : إن حضر القتال : ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة ، وإن لم يحضر القتال فلا سهم له .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو حنيفة : إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة ، أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له ; لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الأوزاعي : إن مات بعد ما يدرب قاصدا في سبيل الله ، قبل أو بعد ، أسهم له .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الإمام أحمد : إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له ; لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها ، وسواء مات حال القتال أو قبله ، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه لورثته .

                                                                                                                                                                                                                                      قال مقيده عفا الله عنه : وهذا أظهر الأقوال عندي ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يخفى أن مذهب الإمام مالك رحمه الله في هذه المسألة مشكل ; لأن حكمه بحد الزاني والسارق ، يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة قبل القسم ، وحكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال يدل على تقرر الملك بمجرد حضور القتال ، وهو كما ترى ، والعلم عند الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية