الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله عز وجل إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض

جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل:

إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون

المعنى: إنما مثل تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ يصير ذلك إلى الفناء كمطر نزل من السماء فاختلط، ووقف هنا بعض القراء على معنى: فاختلط الماء بالأرض، ثم استأنف: به نبات الأرض على الابتداء والخبر المقدم، ويحتمل -على هذا- أن يعود الضمير في "به" على الماء أو على الاختلاط الذي يتضمنه القول. ووصلت فرقة فرفع "النبات" على ذلك بقوله: "فاختلط" ، أي:اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء، وقوله: مما يأكل الناس يريد الزروع والأشجار ونحو ذلك، وقوله: والأنعام يريد سائر العشب المرعي.

و أخذت الأرض لفظة كثرت في مثل هذا، كقوله: خذوا زينتكم . والزخرف: التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه، وقرأ مروان بن الحكم ، وأبو جعفر ، والسبعة، وشيبة ، ومجاهد ، والجمهور: "وازينت"، أصله: تزينت، سكنت التاء لتدغم فاحتيج إلى ألف وصل. وقرأ ابن مسعود ، والأعمش ، وأبي بن كعب : "وتزينت" وهذه أصل قراءة الجمهور. وقرأ الحسن، وأبو العالية ، والشعبي ، وقتادة ، ونصر بن عاصم ، وعيسى : "وأزينت" على معنى: حضرت زينتها كما تقول: أحصد الزرع، و"أزينت" على مثال: أفعلت، وقال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا يقرؤونها: "وازيانت" النون [ ص: 471 ] شديدة والألف ساكنة قبلها، وهي قراءة أبي عثمان النهدي ، وقرأت فرقة "وازيأنت" ، وهي لغة منها قول الشاعر:

....................... ... إذا ما الهوادي بالعبيط احمأرت



وقرأت فرقة: "وازاينت" ، والمعنى في هذا كله: ظهرت زينتها.

وقوله تعالى: وظن أهلها على بابها. والضمير في "عليها" عائد على الأرض، والمراد ما فيها من نعمة ونبات، وهذا الكلام فيه تشبيه جملة أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، و"حتى" غاية، وهي حرف ابتداء لدخولها على "إذا"، ومعناها متصل إلى قوله: قادرون عليها ، ومن بعد ذلك بدأ الجواب، والأمر الآتي واحد الأمور كالريح والصر والسموم ونحو ذلك، وتقسيمه ليلا أو نهارا تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في كل وقت، و"حصيدا": فعيل بمعنى مفعول وعبر بحصيد عن التالف الهالك من النبات وإن لم يهلك بحصاد إذ الحكم فيهما واحد، وكأن الآفة حصدته قبل أوانه، وقوله: كأن لم تغن أي: كأن لم تنعم ولم تنضر ولم تغر بغضارتها، وقرأ قتادة "يغن" بالياء من تحت، يعني الحصيد، وقرأ مروان : "كأن لم تتغن" بتاءين مثل تتفعل، والمغاني: المنازل المعمورة، ومنه قول الشاعر:


وقد نغنى بها ونرى عصورا ...     بها يقتدننا الخرد الخذالا



وفي مصحف أبي بن كعب : "كأن لم تغن بالأمس" وما كنا لنهلكها إلا بذنوب [ ص: 472 ] أهلها "كذلك نفصل الآيات" ، رواها عنه ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: إن فيه: "وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها" ، وقرأ أبو الدرداء : "لقوم يتذكرون".

ومعنى الآية التحذير من الاغترار بالدنيا إذ هي معرضة للتلف وأن يصيبها ما أصاب هذه الأرض المذكورة بموت أو غيره من رزايا الدنيا، وخص المتفكرين بالذكر تشريفا للمنزلة، وليقع التسابق إلى هذه الرتبة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث