الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في شرب الخمر

باب

في شرب الخمر

والكلام في هذه الجناية : في الموجب ، والواجب ، وبماذا تثبت هذه الجناية ؟

فأما الموجب ، فاتفقوا على أنه شرب الخمر دون إكراه قليلها وكثيرها واختلفوا في المسكرات من غيرها ، فقال أهل الحجاز : حكمها حكم الخمر في تحريمها وإيجاب الحد على من شربها قليلا كان أو كثيرا أو لم يسكر ، وقال أهل العراق : المحرم منها هو السكر ، وهو الذي يوجب الحد . وقد ذكرنا عمدة أدلة الفريقين في كتاب الأطعمة والأشربة .

وأما الواجب فهو الحد والتفسيق إلا أن تكون التوبة ، والتفسيق في شارب الخمر باتفاق وإن لم يبلغ حد السكر ، وفيمن بلغ حد السكر فيما سوى الخمر .

واختلف الذين رأوا تحريم قليل الأنبذة في وجوب الحد ، وأكثر هؤلاء على وجوبه ، إلا أنهم اختلفوا في مقدار الحد الواجب ، فقال الجمهور : الحد في ذلك ثمانون ، وقال الشافعي ، وأبو ثور ، وداود : الحد في ذلك أربعون ، هذا في حد الحر . وأما حد العبد فاختلفوا فيه ، فقال الجمهور : هو على النصف من حد الحر ، وقال أهل الظاهر : حد الحر والعبد سواء ، وهو أربعون ، وعند الشافعي عشرون ، وعند من قال : ثمانون أربعون .

فعمدة الجمهور تشاور عمر والصحابة لما كثر في زمانه شرب الخمر ، وإشارة علي عليه بأن يجعل الحد ثمانين قياسا على حد الفرية ، فإنه كما قيل عنه - رضي الله عنه - : " إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى " .

وعمدة الفريق الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحد في ذلك حدا ، وإنما كان يضرب فيها بين يديه بالنعال ضربا غير محدود ، وأن أبا بكر - رضي الله عنه - شاور أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كم بلغ ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشراب الخمر ؟ فقدروه بأربعين " . وروي عن أبي سعيد الخدري : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب في الخمر بنعلين أربعين " ، فجعل عمر مكان كل نعل سوطا . وروي من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري ما هو أثبت من هذا ، وهو : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب في الخمر أربعين " ، وروي هذا عن علي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - من طريق أثبت ، وبه قال الشافعي .

وأما من يقيم هذا الحد فاتفقوا على أن الإمام يقيمه ، وكذلك الأمر في سائر الحدود واختلفوا في إقامة السادات الحدود على عبيدهم ، فقال مالك : يقيم السيد على عبده حد الزنى وحد القذف إذا شهد عنده [ ص: 756 ] الشهود ، ولا يفعل ذلك بعلم نفسه ، ولا يقطع في السرقة إلا الإمام ، وبه قال : الليث ، وقال أبو حنيفة : لا يقيم الحدود على العبيد إلا الإمام ، وقال الشافعي : يقيم السيد على عبده جميع الحدود ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وأبي ثور .

فعمدة مالك الحديث المشهور : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، فقال : إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم بيعوها ولو بضفير " ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " .

وأما الشافعي فاعتمد مع هذه الأحاديث ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من حديث عنه أنه قال : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " ولأنه أيضا مروي عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم ، منهم ابن عمر وابن مسعود ، وأنس .

وعمدة أبي حنيفة الإجماع على أن الأصل في إقامة الحدود هو السلطان . وروي عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وغيرهم أنهم قالوا : الجمعة والزكاة والفيء والحكم إلى السلطان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث