الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الخامس في كيفية القضاء

الباب الخامس

[ في كيفية القضاء ]

وأما كيف يقضي القاضي ، فإنهم أجمعوا على أنه واجب عليه أن يسوي بين الخصمين في المجلس [ ص: 778 ] وألا يسمع من أحدهما دون الآخر ، وأن يبدأ بالمدعي فيسأله البينة إن أنكر المدعى عليه . وإن لم يكن له بينة فإن كان في مال وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق ، وإن كانت في طلاق أو نكاح أو قتل وجبت عند الشافعي بمجرد الدعوى ، وقال مالك : لا تجب إلا مع شاهد .

وإذا كان في المال فهل يحلفه المدعى عليه بنفس الدعوى أم لا يحلفه حتى يثبت المدعي الخلطة ؟ اختلفوا في ذلك ، فقال جمهور فقهاء الأمصار : اليمين تلزم المدعى عليه بنفس الدعوى لعموم قوله - عليه الصلاة والسلام - من حديث ابن عباس : " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " ، وقال مالك : لا تجب اليمين إلا بالمخالطة ، وقال بها السبعة من فقهاء المدينة .

وعمدة من قال بها النظر إلى المصلحة لكيلا يتطرق الناس بالدعاوي إلى تعنيت بعضهم بعضا ، وإذاية بعضهم بعضا ، ومن هنا لم ير مالك إحلاف المرأة زوجها إذا ادعت عليه الطلاق إلا أن يكون معها شاهد ، وكذلك إحلاف العبد سيده في دعوى العتق عليه .

والدعوى لا تخلو أن تكون في شيء في الذمة أو في شيء بعينه :

فإن كانت الذمة فادعى المدعى عليه البراءة من تلك الدعوى وأن له بينة سمعت منه بينته باتفاق .

وكذلك إن كان اختلاف في عقد وقع في عين مثل بيع أو غير ذلك .

وأما إن كانت الدعوى في عين ( وهو الذي يسمى استحقاقا ) ، فإنهم اختلفوا هل تسمع بينة المدعى عليه ؟ فقال أبو حنيفة : لا تسمع بينة المدعى عليه إلا في النكاح وما لا يتكرر ، وقال غيره : لا تسمع في شيء ، وقال مالك ، والشافعي : تسمع ( أعني : في أن يشهد للمدعي بينة المدعى عليه أنه مال له وملك ) . فعمدة من قال لا تسمع ، أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز المدعى عليه ، فوجب أن لا ينقلب الأمر ، وكان ذلك عندهما عبادة .

وسبب الخلاف : هل تفيد بينة المدعى عليه معنى زائدا على كون الشيء المدعى فيه موجودا بيده ، أم ليست تفيد ذلك ؟ فمن قال : لا تفيد معنى زائدا ، قال : لا معنى لها ، ومن قال : تفيد اعتبرها .

فإذا قلنا باعتبار بينة المدعى عليه فوقع التعارض بين البينتين ولم تثبت إحداهما أمرا زائدا مما لا يمكن أن يتكرر في ملك ذي الملك ، فالحكم عند مالك أن يقضي بأعدل البينتين ولا يعتبر الأكثر ، وقال أبو حنيفة : بينة المدعي أولى على أصله ولا تترجح عنده بالعدالة كما لا تترجح عند مالك بالعدد ، وقال الأوزاعي : تترجح بالعدد وإذا تساوت في العدالة فذلك عند مالك كالبينة يحلف المدعى عليه ، فإن نكل حلف المدعي ووجب الحق ; لأن يد المدعى عليه شاهدة له ، ولذلك جعل دليله أضعف الدليلين ( أعني : اليمين ) .

وأما إذا أقر الخصم فإن كان المدعى فيه عينا فلا خلاف أنه يدفع إلى مدعيه . وأما إذا كان مالا في الذمة ، فإنه يكلف المقر غرمه فإن ادعى العدم حبسه القاضي عند مالك حتى يتبين عدمه إما بطول السجن أوبالبينة إن كان متهما فإذا لاح عسره خلى سبيله لقوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) وقال قوم : يؤاجره ، وبه قال أحمد ، وروي عن عمر بن عبد العزيز ، وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار .

[ ص: 779 ] ولا خلاف أن البينة إذا جرحها المدعى عليه أن الحكم يسقط إذا كان التجريح قبل الحكم ، وإن كان بعد الحكم لم ينتقض عند مالك ، وقال الشافعي : ينتقض .

وأما إن رجعت البينة عن الشهادة ، فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الحكم أو بعده .

فإن كان قبل الحكم فالأكثر أن الحكم لا يثبت ، وقال بعض الناس : يثبت .

وإن كان بعد الحكم فقال مالك : يثبت الحكم ، وقال غيره : لا يثبت الحكم .

وعند مالك أن الشهداء يضمنون ما أتلفوا بشهادتهم .

فإن كان مالا ضمنوه على كل حال ، قال عبد الملك : لا يضمنون في الغلط ، وقال الشافعي : لا يضمنون المال .

وإن كان دما فإن ادعوا الغلط ضمنوا الدية ، وإن أقروا أقيد منهم على قول أشهب ، ولم يقتص منهم على قول ابن القاسم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث