الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يحل لمسلم أن يفر عن مشرك

جزء التالي صفحة
السابق

923 مسألة :

ولا يحل لمسلم أن يفر عن مشرك ، ولا عن مشركين ولو كثر عددهم أصلا ; لكن ينوي في رجوعه التحيز إلى جماعة المسلمين إن رجا البلوغ إليهم ، أو ينوي الكر إلى القتال ، فإن لم ينو إلا تولية دبره هاربا فهو فاسق ما لم يتب .

قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم } .

قال قوم : إن الفرار له مباح من ثلاثة فصاعدا - وهذا خطأ .

واحتجوا في ذلك بقول الله - تعالى - : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله } .

وروينا عن ابن عباس أنه قال " إن فر رجل من رجلين فقد فر ، وإن فر من ثلاثة فلم يفر " .

قال أبو محمد : أما ابن عباس فقد خالفوه في مئين من القضايا ، منها قراءة أم [ ص: 343 ] القرآن جهرا في صلاة الجنازة ، وإخباره : أنه لا صلاة إلا بها وغير ذلك كثير ، ولا حجة إلا في كلام الله - تعالى - ، أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

وأما الآية فلا متعلق لهم فيها ; لأنه ليس فيها لا نص ولا دليل بإباحة الفرار عن العدد المذكور ; وإنما فيها : أن الله - تعالى - علم أن فينا ضعفا ، وهذا حق إن فينا لضعفا ولا قوي إلا وفيه ضعف بالإضافة إلى ما هو أقوى منه إلا الله - تعالى - وحده فهو القوي الذي لا يضعف ولا يغلب .

وفيها : أن الله - تعالى - خفف عنا فله الحمد وما زال ربنا - تعالى - رحيما بنا يخفف عنا في جميع الأعمال التي ألزمنا .

وفيها : أنه إن كان منا مائة صابرون يغلبوا مائتين ، وإن يكن منا ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ، وهذا حق ، وليس فيه أن المائة لا تغلب أكثر من مائتين ولا أقل أصلا ; بل قد تغلب ثلاثمائة ، نعم وألفين وثلاث آلاف ولا أن الألف لا يغلبون إلا ألفين فقط لا أكثر ولا أقل ، ومن ادعى هذا في الآية فقد أبطل وادعى ما ليس فيها منه أثر ، ولا إشارة ، ولا نص ، ولا دليل ، بل قد قال - عز وجل - : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ، فظهر أن قولهم لا دليل عليه أصلا ، ونسألهم عن فارس بطل شاكي السلاح قوي لقي ثلاثة من شيوخ اليهود الحربيين هرمى مرضى رجالة عزلا أو على حمير ، أله أن يفر عنهم ؟ لئن قالوا : نعم - ليأتن بطامة يأباها الله والمؤمنون وكل ذي عقل ، وإن قالوا : لا ليتركن قولهم .

وكذلك نسألهم عن ألف فارس ، نخبة ، أبطال ، أمجاد ، مسلحين ، ذوي بصائر ، لقوا ثلاثة آلاف ، من محشودة بادية النصارى ، رجالة ، مسخرين ألهم أن يفروا عنهم ؟ وروينا عن وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال : ليس الفرار من الزحف من الكبائر ، إنما كان ذلك يوم بدر خاصة . قال أبو محمد : وهذا تخصيص للآية بلا دليل .

روينا من طريق البزار نا عمرو بن علي ، ومحمد بن مثنى ، قالا جميعا : نا يحيى [ ص: 344 ] بن سعيد القطان نا عوف الأعرابي عن يزيد الفارسي نا ابن عباس أن عثمان قال له : كانت ( الأنفال ) من أول ما أنزل بالمدينة .

وروينا من طريق مسلم نا هارون بن سعيد الأبلي نا ابن وهب أخبرنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن ؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات } فعم عليه السلام ولم يخص .

ومن طريق البخاري نا عبد الله بن محمد نا معاوية بن عمرو نا أبو إسحاق هو الفزاري - عن موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال : كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ؟ فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف } فعم عليه السلام ولم يخص ، وإسلام أبي هريرة وابن أبي أوفى بلا شك بعد نزول " سورة الأنفال " التي فيها الآية التي احتجوا بها فيما ليس فيها منه شيء .

وقد خالف ابن عباس غيره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ، نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا خالد بن الحارث الهجيمي نا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال : سمعت رجلا سأل البراء بن عازب : أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف ، ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال البراء لا ، ولكن التهلكة : أن يصيب الرجل الذنب فيلقي بيده ويقول : لا توبة لي .

وعن عمر بن الخطاب : إذا لقيتم فلا تفروا .

وعن علي ، وابن عمر : الفرار من الزحف من الكبائر .

ولم يخصوا عددا من عدد ، ولم ينكر أبو أيوب الأنصاري ، ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده ، على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل . [ ص: 345 ]

وقد ذكروا حديثا مرسلا من طريق الحسن { أن المسلمين لقوا المشركين فقال رجل : يا رسول الله أشد عليهم ، أو أحمل عليهم ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتراك قاتل هؤلاء كلهم اجلس ، فإذا نهض أصحابك فانهض وإذا شدوا فشد } وهذا مرسل لا حجة فيه ; بل قد صح عنه عليه السلام : { أن رجلا من أصحابه سأله ما يضحك الله من عبده ؟ قال : غمسه يده في العدو حاسرا فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل رضي الله عنه } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث