الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
34 [ 38 ] أنبأنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، أخبرني هشام بن عروة قال: أخبرني أبو وجزة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الاستنجاء بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع .

[ ص: 143 ]

التالي السابق


[ ص: 143 ] الشرح

ابن عجلان: هو أبو عبد الله محمد بن عجلان المدني القرشي، مولى فاطمة بنت عتبة بن الوليد بن عتبة بن ربيعة.

سمع: أباه، وهشام بن عروة، وبكير بن الأشج، ورجاء بن حيوة، والأعرج، وسعد بن إبراهيم، والقعقاع بن حكيم.

روى عنه: الليث بن سعد، ويحيى القطان، وابن عيينة، وخالد بن الحارث، وغيرهم.

وكان له قدر ومنزلة تامة عند أهل المدينة، وذكر أنه بقي في بطن أمه أربع سنين.

والقعقاع بن حكيم الكناني من أهل المدينة، تابعي.

سمع: جابر بن عبد الله، وروى عن: أبي صالح السمان، و [أبي] يونس مولى عائشة.

وروى عنه: عمرو بن دينار، وسهيل، وزيد بن أسلم، ويعقوب بن عبد الله بن الأشج.

وأبو صالح: هو ذكوان [أبو] صالح المدني، سكن الكوفة وكان يجلب إليها الزيت والسمن فيقال له: الزيات والسمان.

سمع: أبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرا [ ص: 144 ]

وروى عنه: ابنه سهيل، وعبد الله بن دينار، والأعمش، وطلحة بن مصرف، ويحيى بن سعيد الأنصاري. مات سنة إحدى ومائة.

وأبو وجزة ليس بالسعدي المشهور بهذه الكنية المسمى بيزيد بن عبيد وإن كان قد يروي عنه هشام بن عروة، لكن ذكر علي بن المديني وغيره من الحفاظ أن سفيان سهى في هذه الكنية، والرجل الذي روى هشام عنه هذا الحديث إنما هو أبو خزيمة، كذلك رواه عن هشام: وكيع وأبو أسامة وأبو معاوية وغيرهم.

وأبو خزيمة هذا: هو عمرو بن خزيمة المزني.

قال محمد بن إسماعيل البخاري: وحديثه في أهل المدينة.

وعمارة: هو ابن خزيمة بن ثابت الأنصاري المديني.

روى عن: أبيه، وعمه.

وسمع منه: الزهري، وأبو جعفر الخطمي.

وأبوه خزيمة بن ثابت بن عمارة بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان، وقيل: عنان، وقيل: غيان بن عامر بن خطمة الأنصاري الأوسي الخطمي، أبو عمارة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 145 ]

روى عنه: جابر بن عبد الله، وابناه [...].

وعن الروث والرمة برواية رويفع بن ثابت، وعن الاستنجاء باليمين برواية أبي قتادة.

والغائط: الموضع المنخفض من الأرض ومنه سمي الحدث غائطا؛ لأنهم كانوا يأتونه إذا أرادوا قضاء الحاجة، والاستنجاء: غسل موضع النجوى ومسحه، والنجو: ما يخرج من البطن، يقال منه: أنجى إذا أحدث، ونجي الغائط نفسه، وذكر أن الاستنجاء مأخوذ من النجو: وهو القشر والإزالة، يقال: نجوت الجلد إذا سلخته، وقيل: من النجوة: وهي المرتفع من الأرض للاستتار به حينئذ، وقيل: للارتفاع والتجاف حينئذ، ويمكن أن يؤخذ من قولهم: استنجيت النخلة إذا التقطت رطبها أو من قولهم: استنجى القوس أي: مدها، لما فيه من المبالغة في الإزالة.

والرمة والرميم: العظام البالية، يقال: رم العظم وأرم: إذا بلي.

والرجيع: الروث، وكذلك العذرة، قال أبو عبيد: سمي رجيعا؛ لأنه رجع عن حاله الأولى وهي كونه علفا أو طعاما، ورجيع السبع ورجعه: نجوه.

وقوله: إنما أنا لكم مثل الوالد أي: في العطف والشفقة وتعليم ما لا بد للولد منه وبه تمام التربية، وجعل الكلمة مقدمة تدرج بها إلى بيان أحكام الاستنجاء التي لا غنى عن معرفتها، وذكر جملا أقربها النهي عن استقبال القبلة واستدبارها وهما يحرمان في الصحراء على ما يشعر به ظاهر النهي إذا لم يستتر بشيء، وفهم بعضهم من قوله: إذا [ ص: 146 ] ذهب أحدكم إلى الغائط واختصاص الحديث بما إذا كان في الصحراء، فإن كان الأمر على ما ذكروا فذاك، وإلا فقد حمل الشافعي الحديث عليه وإن كان مطلقا؛ لما روي في الصحيح عن ابن عمر أنه قال: إن ناسا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، وقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.

ومن استقبل بيت المقدس بالمدينة كان مستدبرا للكعبة، ويجوز أن يحمل النهي على أصل المنع الذي يشترك فيه للتحريم والتبرئة، وذلك يعم الصحراء والبنيان؛ فإن الاستقبال والاستدبار وإن لم يحرما في الأبنية فالأدب تركهما.

وقوله: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة لغائط ولا ببول يجوز أن يحمل الأول على المكان المنخفض، والثاني على ما يخرج، ويجوز أن يجعلا جميعا بالمعنى الثاني.

والثانية: الأمر بثلاثة أحجار وظاهره يقتضي وجوب رعاية العدد، واحتج بعضهم بقوله: "وليستنج بثلاثة أحجار" على أن الأحجار تتعين، وعلى أنه لا يجوز أن يتمسح بثلاثة أحرف من حجر واحد، لكن روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد، وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود: ائتني بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة؛ فأخذ الحجرين وألقى الروثة [ ص: 147 ] [وقال] فإنها ركس.

فلولا أنهم عرفوا أن عين الحجر تقوم مقام الحجر لما أتاه بغير الحجر ولأشبه أن [....] عن أخذ الروثة، وأيضا فالمقصود إزالة النجاسة؛ وذلك كما يحصل بالحجر يحصل بغيره، وكما يحصل بأعداد من الحجر يحصل بأحرف الحجر الواحد، وسبب تخصيص الحجر بالذكر غلبته، وسبب تخصيص العدد بالذكر أن الغالب التمسح بالعدد دون أحرف الواحد.

والثالثة: النهي عن الاستنجاء بالروث، وذلك لأنه نجس والنجس لا يزيل النجاسة.

والرابعة: النهي عن الاستنجاء بالرمة، والاستنجاء بالعظم ممنوع عنه مطلقا؛ لما ورد أنه طعام الجن، وأيضا فقد ذكر الخطابي أن الرخو منه يؤكل والصلب يدق في عام المجاعة فيؤكل، وقد ورد في بعض الروايات النهي عن الرمة والعظام، ويجوز أن يكون تخصيص الرمة بالذكر لأن فيها معنى آخر؛ وهو أنها تتفتت فتختلط بالنجاسة.

والخامسة: النهي عن الاستنجاء باليمين، والتحرز عنه أدب عند عامة العلماء.

وقوله في الحديث الثاني قال: في الاستنجاء بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أي: ذكر ذلك في باب الاستنجاء في أحكام أو ما أشبه ذلك، وفي قوله: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ما يشير إلى غير الأحجار من الجامدات كالأحجار كأنه قال: بثلاثة أحجار أو نحوها ليس فيها رجيع




الخدمات العلمية