الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              فصل

              ويظهر هذا المعنى في مواضع من الشريعة ، منها ما يكون متفقا عليه - ومنها ما يختلف فيه .

              - فمنها : الخطأ والنسيان ; فإنه متفق على عدم المؤاخذة به ، فكل فعل صدر عن غافل أو ناس أو مخطئ فهو مما عفي عنه ، وسواء علينا أفرضنا تلك الأفعال مأمورا بها أو منهيا عنها أم لا ; لأنها إن لم تكن منهيا عنها ، ولا مأمورا بها ، ولا مخيرا فيها - فقد رجعت إلى قسم ما لا حكم له في الشرع ، وهو معنى العفو ، وإن تعلق بها الأمر والنهي ؛ فمن شرط المؤاخذة به ذكر الأمر والنهي ، والقدرة على الامتثال ، وذلك في المخطئ والناسي والغافل محال ، ومثل ذلك النائم ، والمجنون ، والحائض ، وأشباه ذلك .

              - ومنها : الخطأ في الاجتهاد ، وهو راجع إلى الأول ، وقد جاء [ ص: 260 ] في القرآن عفا الله عنك لم أذنت لهم [ التوبة : 43 ] .

              وقال لولا كتاب من الله سبق الآية [ الأنفال : 68 ] .

              - ومنها : الإكراه ، كان مما يتفق عليه أو مما يختلف فيه ، إذا قلنا بجوازه فهو راجع إلى العفو ، كان الأمر والنهي باقيين عليه أو لا ; فإن حاصل ذلك أن تركه لما ترك ، وفعله لما فعل - لا حرج عليه فيه .

              - ومنها : الرخص كلها على اختلافها ; فإن النصوص دلت على ذلك ؛ حيث نص على رفع الجناح ، ورفع الحرج ، وحصول المغفرة ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الرخصة مباحة أو مطلوبة ; لأنها إن كانت مباحة فلا إشكال ، وإن كانت مطلوبة فيلزمها العفو عن نقيض المطلوب ، فأكل الميتة إذا قلنا بإيجابه فلابد أن يكون نقيضه ، وهو الترك ، معفوا عنه ، وإلا لزم اجتماع النقيضين في التكليف بهما ، وهو محال ، ومرفوع عن الأمة .

              - ومنها : الترجيح بين الدليلين عند تعارضهما ، ولم يمكن الجمع ، فإذا ترجح أحد الدليلين كان مقتضى المرجوح في حكم العفو ; لأنه إن لم يكن كذلك لم يمكن الترجيح ، فيؤدي إلى رفع أصله ، وهو ثابت بالإجماع ، ولأنه يؤدي إلى الخطاب بالنقيضين ، وهو باطل ، وسواء علينا أقلنا ببقاء الاقتضاء في الدليل المرجوح ، وإنه في حكم الثابت ، أم قلنا : إنه في حكم العدم ؛ لا فرق بينهما في لزوم العفو .

              - ومنها : العمل على مخالفة دليل لم يبلغه أو على موافقة دليل بلغه ، وهو في نفس الأمر منسوخ أو غير صحيح ; لأن الحجة لم تقم عليه بعد ; إذ لا [ ص: 261 ] بد من بلوغ الدليل إليه ، وعلمه به ، وحينئذ تحصل المؤاخذة به ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق .

              - ومنها : الترجيح بين الخطابين عند تزاحمهما ، ولم يمكن الجمع بينهما ، لا بد من حصول العفو بالنسبة إلى المؤخر حتى يحصل المقدم ; لأنه الممكن في التكليف بهما ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق ، وهو مرفوع شرعا .

              - ومنها : ما سكت عنه فهو عفو ; لأنه إذا كان مسكوتا عنه مع وجود مظنته ، فهو دليل على العفو فيه ، وما تقدم من الأمثلة في الأدلة السابقة فهو مما يصح التمثيل به ، والله أعلم .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية