الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      معلومات الكتاب

      معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

      الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

      صفحة جزء
      رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة


      وإنه يرى بلا إنكار في جنة الفردوس بالأبصار     كل يراه رؤية العيان
      كما أتى في محكم القرآن     وفي حديث سيد الأنام
      من غير ما شك ولا إيهام     رؤية حق ليس يمترونها
      كالشمس صحوا لا سحاب دونها     وخص بالرؤية أولياؤه
      فضيلة وحجبوا أعداؤه

      .

      قال الله تبارك وتعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ، ( القيامة : 23 - 24 ) ، وقال تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ، ( يونس : 26 ) [ ص: 306 ] وقال تعالى : ( لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ) ، ( ق : 35 ) ، وقال - تعالى - في شأن الكفار : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ، ( المطففين : 15 ) فإذا حجب أولياؤه ، فأي فضيلة لهم على أعدائه ؟ وقال تعالى : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم ) ، ( يس : 55 - 58 ) ، وقال تعالى : ( إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون ) ، ( المطففين : 22 ، 23 ) ، وهذه الآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم - تبارك وتعالى - لا تقبل تحريفا ولا تأويلا ، ولا يردها إلا مكابر قد ختم الله على سمعه وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله .

      وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات ، رواها أئمة السنة والحديث في دواوين الإسلام ، عن فضلاء الصحابة وأجلائهم ، كأبي بكر الصديق ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وجرير بن عبد الله ، وصهيب ، وابن مسعود ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي موسى ، وأنس ، وبريدة بن الحصيب ، وأبي رزين ، وجابر بن عبد الله ، وأبي أمامة ، وزيد بن ثابت ، وعمار بن ياسر ، وعائشة ، وعبد الله بن عمر ، وعمار بن رويبة ، وسلمان الفارسي ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبادة بن الصامت ، وأبي بن كعب ، وكعب بن عجرة ، وأبي الدرداء ، وفضالة بن عبيد ، وعدي بن أرطأة ، وأبي موسى الأشعري ، وغيرهم رضي الله عنهم . وهذا أوان سردها ، فألق سمعك ، وأحضر قلبك ، وتأملها تأمل طالب للحق لا نافر عنه ، وكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وإياك وسوء الظن بكلام الله وكلام رسوله ، فذلك الهلكة ، وما ضل من ضل ، وهلك من هلك إلا لسوء ظنه بالكتاب والسنة ، والله المستعان وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا به .

      فعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال : أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فصلى الغداة ، فجلس حتى إذا كان الضحى ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى ، والعصر والمغرب ، كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الأخيرة ، ثم قام إلى أهله ، فقال الناس لأبي بكر [ ص: 307 ] رضي الله عنه : ألا تسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شأنه ؟ صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط . قال : فسأله فقال : نعم ، عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة ، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد ، فقطع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم - صلى الله عليه وسلم - والعرق يكاد يلجمهم ، فقالوا : يا آدم ، أنت أبو البشر ، وأنت اصطفاك الله عز وجل ، اشفع لنا إلى ربك عز وجل . قال : لقد لقيت مثل الذي لقيتم ، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم ، إلى نوح ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) ، ( آل عمران : 33 ) قال : فينطلقون إلى نوح - صلى الله عليه وسلم - فيقولون : اشفع لنا إلى ربك ، فأنت اصطفاك الله ، واستجاب لك في دعائك ، ولم يدع على الأرض من الكافرين ديارا ، فيقول : ليس ذلكم عندي ، انطلقوا إلى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فإن الله اتخذه خليلا ، فينطلقون إلى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فيقول : ليس ذلكم عندي ، انطلقوا إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - فإن الله - عز وجل - كلمه تكليما ، فيقول موسى صلى الله عليه وسلم : ليس ذلكم عندي ، انطلقوا إلى عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ، فيقول عيسى : ليس ذلكم عندي ، انطلقوا إلى سيد ولد آدم ، انطلقوا إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فليشفع لكم إلى ربكم عز وجل . قال : فينطلق فيأتي جبريل ربه - تبارك وتعالى - فيقول الله عز وجل : ائذن له وبشره بالجنة . فينطلق به جبريل - صلى الله عليه وسلم - فيخر ساجدا قدر جمعة ، ويقول الله عز وجل : ارفع رأسك ، وقل يسمع ، واشفع تشفع . قال : فيرفع رأسه ، فإذا نظر إلى وجه ربه - عز وجل - خر ساجدا قدر جمعة أخرى ، فيقول الله عز وجل : ارفع رأسك ، وقل تسمع ، واشفع تشفع . قال : فيذهب ليضع ساجدا ، فيأخذ جبريل بضبعيه ، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئا لم يفتحه على بشر قط ، فيقول : أي رب ، خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر ، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر ، حتى إنه يرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة ، ثم يقال : ادعوا الصديقين فيشفعون ، ثم يقال ادعوا الأنبياء . قال : فيجيء النبي ومعه العصابة ، والنبي ومعه الخمسة والستة ، والنبي وليس معه أحد ، ثم يقال ادعوا الشهداء ، فيشفعون لمن أرادوا . قال : فإذا فعلت الشهداء ذلك ، قال : فيقول الله عز وجل : أنا أرحم الراحمين ، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا . قال : فيدخلون الجنة . قال : ثم يقول الله عز وجل : انظروا في أهل النار هل تلقون من عمل خيرا قط ؟ [ ص: 308 ] قال : فيجدون في النار رجلا . فيقولون له : هل عملت خيرا قط ؟ فيقول : لا ، غير أني كنت أسامح الناس في البيع . فيقول الله عز وجل : اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي ، ثم يخرجون من النار رجلا ، فيقولون له : هل عملت خيرا قط ؟ فيقول : لا ، غير أني أمرت ولدي ، إذا مت فأحرقوني ، ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل ، فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح ، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبدا . فقال الله - عز وجل - له : لم فعلت ذلك ؟ قال : من مخافتك . قال : فيقول الله عز وجل : انظر إلى ملك أعظم ملك ، فإن لك مثله وعشرة أمثاله . قال : فيقول أتسخر بي ، وأنت الملك ؟ قال صلى الله عليه وسلم : وذلك الذي ضحكت منه الضحى . رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى .

      وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا . قال : فإنكم ترونه كذلك ، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ومن كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله - تعالى - في صورة غير صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم . فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عز وجل ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله - عز وجل - في صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم . فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه ، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أنا وأمتي [ ص: 309 ] أول من يخير ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ، ودعوى الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله . قال : فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله - عز وجل - تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم الموبق بعمله ، ومنهم المجازى ، فإذا فرغ الله - تعالى - من القضاء بين العباد ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار ، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله ، فيعرفونهم بأثر السجود ، وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود ، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا ، فيصب عليهم ماء الحياة ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ثم يفرغ الله - تعالى - من القضاء بين العباد ، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ، وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة ، فيقول : أي رب ، اصرف وجهي عن النار ، فإنه قد قشبني ريحها ، وأحدقني ذكاؤها ، فيدعو الله ما شاء أن يدعوه ، ثم يقول الله تبارك وتعالى : هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره ؟ فيقول : لا أسألك غيره ، فيعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله ، فيصرف وجهه عن النار ، فإذا أقبل على الجنة ورآها ، سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أي رب ، قدمني إلى باب الجنة . فيقول الله تعالى : أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك ؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك . فيقول : أي رب ، فيدعو الله حتى يقول له : فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره ؟ فيقول لا وعزتك ، فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق ، فيقدمه إلى باب الجنة ، فإذا قام على باب الجنة ، انفهقت له الجنة ، فيرى ما فيها من الخير والسرور ، فسكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أي رب ، أدخلني الجنة . فيقول الله تبارك وتعالى : أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت ، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك . فيقول : أي رب ، لا أكون أشقى خلقك . فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه ، فإذا ضحك الله منه قال : ادخل الجنة ، فإذا دخلها قال الله له : تمن . فيسأل ربه ويتمنى ، حتى إن الله ليذكره ، فيقول له : تمن كذا وكذا ، حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل : ذلك لك ومثله معه . قال أبو سعيد : وعشرة أمثاله معه . قال [ ص: 310 ] عطاء بن يزيد : وأبو سعيد مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا ، حتى إذا حدث أبو هريرة قال : إن الله - عز وجل - قال لذلك الرجل : ومثله .

      قال أبو سعيد : وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة . قال أبو هريرة : ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه . قال أبو سعيد : أشهد أني حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله : ذلك لك وعشرة أمثاله . قال أبو هريرة : وذلك آخر أهل الجنة دخولا الجنة .

      ولهما عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن ناسا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس فيها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : ما تضارون في رؤيته - تبارك وتعالى - يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما ، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن : لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار ، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبرات أهل الكتاب ، فتدعى اليهود فيقال لهم : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد عزيرا ابن الله . فيقال : كذبتم ، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد . فماذا تبغون ؟ قالوا : عطشنا يا ربنا ، فاسقنا . فيشار إليهم ألا تردون ، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، فيتساقطون في النار ، ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله . فيقال : كذبتم ، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد . فيقال لهم : ماذا تبغون ؟ فيقولون : عطشنا يا ربنا فاسقنا . فيشار إليهم ألا تردون ، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، فيتساقطون في النار ، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر ، أتاهم رب العالمين - سبحانه وتعالى - في أدنى صورة من التي رأوه فيها . قال : فما تنتظرون ؟ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد . قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم . فيقول : أنا ربكم . فيقولون : نعوذ بالله منك ، ولا نشك بالله شيئا ( مرتين أو ثلاثا ) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب . فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ، فلا يبقى من كان يسجد [ ص: 311 ] لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ، ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة ، فيقول : أنا ربكم . فيقولون : أنت ربنا ، ثم يضرب لهم الجسر على جهنم ، وتحل الشفاعة . قيل : يا رسول الله ، وما الجسر ؟ قال : دحض مزلة ، وخطاطيف ، وكلاليب ، وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان ، فيمر المؤمنون كطرف العين ، وكالبرق ، وكالريح ، وكالطير ، وكأجاويد الخيل ، والركاب ، فناج مسلم ، ومخدوش مرسل ، ومكدوس في نار جهنم ، حتى إذا خلص المؤمنون من النار ، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله - تعالى - يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ، يقولون : ربنا كانوا يصومون معنا ، ويصلون معنا ويحجون ، فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم ، فيحرم صورهم على النار . فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه . فيقولون : ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا . فيقول : ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ، ثم يقال : ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ، ثم يقال : ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها خيرا قط .

      وكان أبو سعيد - رضي الله عنه - يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث ، فاقرءوا إن شئتم ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) ، ( النساء : 40 ) ، فيقول الله عز وجل : شفعت الملائكة ، وشفع النبيون ، وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة من النار ، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ، يقال له نهر الحياة ، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو الشجر ، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر ، وما يكون منها إلى الظل أبيض ؟ فقالوا : يا رسول الله ، كأنك كنت ترعى بالبادية . قال : فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم ، يعرفهم أهل الجنة ، فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الله الذين [ ص: 312 ] أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، ثم يقول : ادخلوا الجنة ، فما رأيتموه فهو لكم . فيقولون : ربنا ، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين . فيقول : لكم عندي أفضل من هذا . فيقولون : يا ربنا ، وأي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول تعالى : رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا
      .

      وفيهما عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : كنا جلوسا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة ، فقال : إنكم سترون ربكم عيانا ، كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا .

      وفي صحيح مسلم ، عن صهيب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يقول الله عز وجل : تريدون شيئا أزيدكم ؟ يقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة ، وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ، ثم تلا هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) .

      وللطبراني ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة ، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء ، وينزل الله - عز وجل - في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ، ثم ينادي مناد : أيها الناس ، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم ، وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولى كل أناس منكم ما كانوا يتولون ، ويعبدون في الدنيا ، أليس ذلك عدلا من ربكم ؟ قالوا : بلى . قال : فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا ، قال : فينطلقون ، ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون ، فمنهم من ينطلق إلى الشمس ، ومنهم من ينطلق إلى القمر ، وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون ، قال : ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ، ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير ، ويبقى [ ص: 313 ] محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته ، فيأتيهم الرب - عز وجل - فيقول : ما بالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس ؟ قال : فيقولون : إن لنا إلها ما رأيناه بعد . فيقول : هل تعرفونه إن رأيتموه ؟ فيقولون : إن بيننا وبينه علامة ، إذا رأيناها عرفناه . قال : فيقول : ما هي ؟ فيقولون : يكشف عن ساق ، فعند ذلك يكشف عن ساق ، فيخرون له سجدا ، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر ، يريدون السجود فلا يستطيعون ، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ، ثم يقول : ارفعوا رءوسكم ، فيرفعون رءوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يعطى نوره على قدر الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ، ومنهم من يعطى نورا أصغر من ذلك ، ومنهم من يعطى نورا مثل النخلة بيمينه ، ومنهم من يعطى نورا أصغر من ذلك ، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه ، يضيء مرة ويطفأ مرة ، فإذا أضاء قدم قدمه ومشى ، وإذا طفئ قام ، والرب تبارك وتعالى أمامهم ، حتى يمر في النار ، فيبقى أثره كحد السيف ، قال ويقول : مروا ، فيمرون على قدر نورهم ، منهم من يمر كطرف العين ، ومنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالسحاب ، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشد الفرس ، ومنهم من يمر كشد الرجل ، حتى يمر الذي أعطي نورا على قدر إبهام قدمه ، يحبو على وجهه ويديه ورجليه ، تجر يد وتعلق يد ، تجر رجل وتعلق رجل ، وتصيب جوانبه النار ، فلا يزال كذلك حتى يخلص ، فإذا خلص وقف عليها ، ثم قال : الحمد لله ، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدا ، إذ نجاني منها بعد أن رأيتها . قال : فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة ، فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم ، فيرى ما في الجنة من خلال الباب ، فيقول : رب أدخلني الجنة . فيقول الله تبارك وتعالى له : أتسأل الجنة ، وقد نجيتك من النار ؟ فيقول : يا رب ، اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها . قال : فيدخل الجنة . قال : فيرى أو يرفع له منزل أمام ذلك ، كأنما الذي هو فيه إليه حلم ليدخله ، فيقول : رب أعطني ذلك المنزل ، فيقول : فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره . فيقول : لا وعزتك لا أسأل غيره ، وأي منزل يكون أحسن منه . قال : فيعطاه فينزله . قال : ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر ليدخله ، فيقول : [ ص: 314 ] أي رب ، أعطني ذلك المنزل . فيقول الله عز وجل : فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره . قال : لا وعزتك لا أسأل غيره ، وأي منزل يكون أحسن منه ؟ قال : فيعطاه فينزله . قال : ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر ، كأنما الذي هو فيه إليه حلم ، فيقول : يا رب ، أعطني ذلك المنزل . فيقول الله - جل جلاله : فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره . قال : لا وعزتك لا أسأل غيره ، وأي منزل يكون أحسن منه ؟ قال : فيعطاه فينزله ثم يسكت . فيقول الله عز وجل : ما لك لا تسأل ؟ فيقول : رب قد سألتك حتى استحييتك ، وأقسمت لك حتى استحييتك ، فيقول الله عز وجل : ألا ترضى أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها ، وعشرة أضعافه ؟ فيقول : أتستهزئ بي وأنت رب العزة ؟ فيضحك الرب - عز وجل - من قوله . قال : فرأيت عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك . فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارا ، كلما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت ! . فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث بهذا الحديث مرارا ، كلما بلغ هذا المكان من الحديث ، ضحك حتى تبدو أضراسه .

      قال : فيقول الرب عز وجل : لا ، ولكني على ذلك قادر ، سل . فيقول : ألحقني بالناس . فيقول : الحق بالناس . قال : فينطلق يرمل في الجنة ، حتى إذا دنا من الناس ، رفع له قصر من درة فيخر ساجدا ، فيقال له : ارفع رأسك ، ما لك ؟ فيقول : رأيت ربي أو تراءى لي ربي ؟ فيقال : إنما هو منزل من منازلك . قال : ثم يلقى فيها رجلا فيتهيأ للسجود ، فيقال له : مه . فيقول : رأيت أنك ملك من الملائكة ، فيقول له : إنما أنا خازن من خزانك ، عبد من عبيدك ، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه . قال : فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر . قال : وهو في درة مجوفة ، سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها ، تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء ، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى ، في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء ، عليها سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من وراء حللها ، كبدها مرآته ، وكبده مرآتها ، إذا أعرض عنها إعراضة ، ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك ، فيقول لها : والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا ، فتقول له : والله والله ، وأنت لقد ازددت في عيني [ ص: 315 ] سبعين ضعفا . فيقال له : أشرف . قال : فيشرف ، فيقال له : ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره . قال : فقال عمر رضي الله عنه : ألا تسمع إلى ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا ، فكيف أعلاهم ؟ قال كعب : يا أمير المؤمنين ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، إن الله - عز وجل - جعل دارا فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة ، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه ، لا جبريل ولا غيره من الملائكة ، ثم قرأ كعب ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) قال : وخلق دون ذلك جنتين ، وزينهما بما شاء ، وأراهما من شاء من خلقه ، ثم قال : من كان كتابه في عليين ، نزل تلك الدار التي لم يرها أحد ، حتى إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه ، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه ، فيستبشرون بريحه فيقولون : واها لهذه الريح ، هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه . فقال : ويحك يا كعب ، هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها . فقال كعب : والذي نفسي بيده ، إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ، ما يبقى من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه ، حتى إن إبراهيم خليل الله يقول : رب نفسي نفسي ، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك ، لظننت أنك لا تنجو
      . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : هذا حديث كبير حسن ، رواه المصنفون في السنة كعبد الله بن أحمد ، والطبراني ، والدارقطني ، رحمهم الله تعالى .

      وروى يعقوب بن سفيان ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يزور أهل الجنة الرب - تبارك وتعالى - في كل جمعة .

      وذكر ما يعطون قال : ثم يقول الله تبارك وتعالى : اكشفوا حجابا ، فيكشف حجاب ثم حجاب ، ثم يتجلى لهم - تبارك وتعالى - عن وجهه ، فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك
      ، وهو قوله تبارك وتعالى : ( ولدينا مزيد ) .

      وفي الصحيحين [ ص: 316 ] عن أبي موسى رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : جنتان من فضة ، آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب ، آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وما بين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن . ولأحمد عنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجمع الله - عز وجل - الأمم في صعيد واحد يوم القيامة ، فإذا بدا لله - عز وجل - أن يصدع بين خلقه ، مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون ، فيتبعونهم حتى يقحموهم النار ، ثم يأتينا ربنا - عز وجل - ونحن على مكان رفيع ، فيقول : من أنتم ؟ فنقول : نحن المسلمون . فيقول : ما تنتظرون ؟ فنقول : ننتظر ربنا عز وجل . فيقول : وهل تعرفونه إن رأيتموه ؟ فنقول : نعم ، إنه لا عدل له ، فيتجلى لنا ضاحكا فيقول : أبشروا يا معشر المسلمين ، فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت في النار يهوديا أو نصرانيا مكانه .

      وفي رواية : يتجلى لنا ربنا - عز وجل - ضاحكا يوم القيامة . وللدارقطني عنه رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يبعث الله يوم القيامة مناديا بصوت يسمعه أولهم وآخرهم : إن الله - عز وجل - وعدكم الحسنى وزيادة ، فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجهه عز وجل .

      رواه الإمام أحمد ، وابن وهب . وفي صحيح البخاري ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال : بينما أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتى إليه رجل ، فشكى إليه الفاقة . ثم أتى آخر فشكى إليه قطع السبيل ، فقال : يا عدي ، هل رأيت الحيرة ؟ قلت : لم أرها وقد أنبئت عنها . قال : فإن طالت بك حياة ، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عز وجل . قلت فيما بيني وبين نفسي : فأين دعار طي الذين سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة ، لتفتحن كنوز كسرى . قلت : كسرى بن هرمز ؟ [ ص: 317 ] قال : كسرى بن هرمز . ولئن طالت بك حياة ، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه ، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ، فيقولن : ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك ؟ فيقول : بلى يا رب . فيقول : ألم أعطك مالا وأفضل عليك ؟ فيقول : بلى ، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم ، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم .

      قال عدي بن حاتم : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة . قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم .

      وفي الصحيحين ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك ، وفي لفظ فيلهمون لذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا - عز وجل - حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيأتون آدم فيقولون : أنت آدم أبو الخلق ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا عند ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا . فيقول : لست هناكم ، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها ، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله عز وجل . قال : فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم ، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها ، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا . فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها ، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله تكليما ، وأعطاه التوراة . فيأتون موسى فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها ، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته ، فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيأتوني ، فأستأذن على ربي فيأذن لي ، فإذا أنا رأيته فأقع له ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع . فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ، ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ، ثم أعود فأقع ساجدا ، فيدعني الله ما شاء أن [ ص: 318 ] يدعني ، ثم يقال : ارفع رأسك يا محمد ، قل تسمع ، وسل تعط ، واشفع تشفع . فأرفع رأسي ، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ، ثم أشفع ، فيحد لي حدا ، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة .

      قال : فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال فأقول : يا رب ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود
      . وفي رواية لابن خزيمة : يلقى الناس يوم القيامة ما شاء الله أن يلقوه من الحبس ، فيقولون : انطلقوا بنا إلى آدم ، فيشفع لنا إلى ربنا ، فذكر الحديث إلى أن قال : فينطلقون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فأقول : أنا لها ، فأنطلق حتى أستفتح باب الجنة ، فيفتح لي فأدخل ، وربي على عرشه فأخر ساجدا . وذكر الحديث .

      وفي رواية : فأستأذن على ربي ، فإذا رأيته وقعت له ساجدا . وفي رواية : فآتي ربي وهو على سريره ، أو كرسيه فأخر له ساجدا . وساقه ابن خزيمة بسياق طويل ، وقال فيه : فأستفتح ، فإذا نظرت إلى الرحمن ، وقعت له ساجدا . وفي حديث أبي هريرة : آخذ بحلقة باب الجنة ، فيؤذن لي فيستقبلني وجه الجبار - جل جلاله - فأخر له ساجدا .

      وللدارقطني عنه رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول الله عز وجل : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : النظر إلى وجه الله عز وجل .

      وله عنه - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أتاني جبريل - عليه السلام - وفي كفه كالمرآة البيضاء يحملها فيها كالنكتة السوداء ، فقلت ما هذه التي في [ ص: 319 ] يدك يا جبريل ؟ قال : هذه الجمعة . قلت : وما الجمعة ؟ قال : لكم فيها خير كثير . قلت : وما يكون لنا فيها ؟ قال : يكون عيدا لك ولقومك من بعدك ، ويكون اليهود والنصارى تبعا لكم . قلت : وما لنا فيها ؟ قال : لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبد فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه إياه ، أو ليس له قسم إلا ذخر له في آخرته ما هو أعظم منه . قلت : ما هذه النكتة التي فيها ؟ قال : هي الساعة ، ونحن ندعوه يوم المزيد . قلت : وما ذاك يا جبريل ؟ قال : إن ربك اتخذ في الجنة واديا ، فيه كثبان من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة ، هبط من عليين على كرسيه ، فيحف الكرسي بكراسي من نور ، فيجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك الكراسي ، ويحف الكراسي بمنابر من نور ومن ذهب مكللة بالجواهر ، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر ، ثم ينزل أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان ، ثم يتجلى لهم - عز وجل - فيقول : أنا الذي صدقتكم وعدي ، وأتممت عليكم نعمتي ، وهذا محل كرامتي ، فسلوني . فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم ، فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وذلك بمقدار منصرفكم من الجمعة ، ثم يرتفع على كرسيه - عز وجل - ويرتفع معه النبيون والصديقون ، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم ، وهي لؤلؤة بيضاء ، وزبرجدة خضراء ، وياقوتة حمراء ، غرفها وأبوابها وأنهارها مطردة فيها ، وأزواجها وخدامها وثمارها متدليات فيها ، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ; ليزدادوا نظرا إلى ربهم ويزدادوا منه كرامة . هذا حديث كبير عظيم الشأن ، رواه أئمة السنة ، وتلقوه بالقبول ، وجمل به الشافعي مسنده . ورواه محمد بن إسحاق ، وعمرو بن أبي قيس ، وفيه : فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ، ثم [ ص: 320 ] حف الكراسي بمنابر من نور ، فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها ، ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب .

      قال : ثم يتجلى لهم ربهم - تبارك وتعالى - فينظرون إليه ، فيقول : أنا الذي صدقتكم وعدي ، وأتممت عليكم نعمتي ، وهذا محل كرامتي ، سلوني . فيسألونه الرضا . قال : رضاي أنزلكم داري ، وأنالكم كرامتي ، سلوني ، فيسألونه الرضا .

      قال : فيشهدهم بالرضا ، ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم
      . وذكر الحديث .

      ورواه علي بن حرب ، والحسن بن عرفة ، وفي روايته : ثم يرتفع على كرسيه ، ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم . ورواه الدارقطني أيضا من طريق آخر ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : بينا نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال : أتاني جبريل في يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء ، قلت : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا يوم الجمعة يعرضه عليك ربك ; ليكون لك عيدا ولأمتك من بعدك . قال : قلت يا جبريل ، ما هذه النكتة السوداء ؟ قال : هي الساعة ، وهي تقوم يوم الجمعة ، وهو سيد أيام الدنيا ، ونحن ندعوه في الجنة يوم المزيد . قال : قلت يا جبريل ، ولم تدعونه يوم المزيد ؟ قال : إن الله اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة ، نزل ربنا - عز وجل - على كرسيه أعلى ذلك الوادي ، وقد حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر ، وقد حفت تلك المنابر بكراسي من نور ، ثم يؤذن لأهل الغرف فيقبلون ، يخوضون كثبان المسك إلى الركب ، عليهم أسورة الذهب والفضة وثياب السندس والحرير حتى ينتهوا إلى ذلك الوادي ، فإذا اطمأنوا فيه جلوسا ، بعث الله - عز وجل - عليهم ريحا يقال لها المثيرة ، فأثارت ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم ، وهم يومئذ جرد مرد مكحلون أبناء ثلاث وثلاثين سنة ، على صورة آدم يوم خلقه الله عز وجل . فينادي رب العزة - تبارك وتعالى - رضوانا ، وهو [ ص: 321 ] خازن الجنة ، فيقول : يا رضوان ، ارفع الحجب بيني وبين عبادي وزواري . فإذا رفع الحجب بينه وبينهم فرأوا بهاءه ونوره ، هموا له بالسجود . فيناديهم - تبارك وتعالى - بصوته : ارفعوا رءوسكم ، فإنما كانت العبادة في الدنيا ، وأنتم اليوم في دار الجزاء ، سلوني ما شئتم ، فأنا ربكم الذي صدقتكم وعدي ، وأتممت عليكم نعمتي ، فهذا محل كرامتي ، فسلوني ما شئتم ، فيقولون : ربنا ، وأي خير لم تفعله بنا ، ألست أعنتنا على سكرات الموت ، وآنست منا الوحشة في ظلمات القبور ، وآمنت وحشتنا عند النفخة في الصور ؟ ألست أقلت عثراتنا ، وسترت علينا القبيح من فعلنا ، وثبت على جسر جهنم أقدامنا ؟ ألست الذي أدنيتنا من جوارك ، وأسمعتنا لذاذة منطقك ، وتجليت لنا بنورك ؟ فأي خير لم تفعله بنا ؟ فنعوذ بالله - عز وجل - فيناديهم بصوته : أنا ربكم الذي صدقتكم وعدي ، وأتممت عليكم نعمتي ، فسلوني . فيقولون : نسألك رضاك . فيقول تعالى : برضائي عنكم أقلتكم عثراتكم ، وسترت عليكم القبيح من أموركم ، وأدنيت مني جواركم ، وأسمعتكم لذاذة منطقي ، وتجليت لكم بنوري ، فهذا محل كرامتي ، فسلوني . فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم . ثم يقول عز وجل : سلوني ، فيقولون رضينا ربنا وسلمنا ، فيزيدهم من مزيد فضله وكرامته ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ويكون ذلك مقدار تفرقهم من الجمعة .

      قال أنس رضي الله عنه : فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ، وما مقدار تفرقهم ؟ قال : كقدر الجمعة إلى الجمعة . قال : ثم يحمل عرش ربنا - تبارك وتعالى - معهم الملائكة والنبيون ، ثم يؤذن لأهل الغرف فيعودون إلى غرفهم ، وهما غرفتان من زمردتين خضراوين ، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى الجمعة ; لينظروا إلى ربهم - تبارك وتعالى - وليزيدهم من مزيد فضله وكرامته .

      قال أنس رضي الله عنه : سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بيني وبينه أحد
      . ورواه أيضا من طريق آخر .

      [ ص: 322 ] ورواه أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو بكر بن خزيمة ، وابن بطة في الإبانة ، وغيرهم ، وقد جمع ابن أبي داود طرقه . ولإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ، عن بريدة بن الخصيب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله : ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة ، ليس بينه وبينه ترجمان . وللإمام أحمد ، وأبي داود عن أبي رزين - رضي الله عنه - قال : قلنا : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه - عز وجل - يوم القيامة ؟ قال : نعم . قلت : وما آية ذلك في خلقه ؟ قال : أليس كلكم ينظر إلى القمر ليلة البدر ؟ قلنا : نعم . قال : الله أكبر وأعظم . وللإمام أحمد ، عن جابر - رضي الله عنه - وقد سئل عن الورود ، فقال : نحن يوم القيامة على كذا وكذا ، أي فوق الناس ، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد ، الأول فالأول ، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك ، فيقول : ومن تنتظرون ؟ فيقولون : ننتظر ربنا عز وجل . فيقول : أنا ربكم . فيقولون : حتى ننظر إليك ، فيتجلى لهم - تبارك وتعالى - يضحك . قال : فينطلق بهم ويتبعونه ، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا ، ثم يتبعونه على جسر جهنم ، وعليه كلاليب وحسك ، تأخذ من شاء الله ، ثم يطفأ نور المنافق ، ثم ينجو المؤمنون ، فينجو أول زمرة ، وجوههم كالقمر ليلة البدر ، وسبعون ألفا لا يحاسبون ، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء ، ثم كذلك ، ثم تحل الشفاعة حتى يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، فيجعلون بفناء الجنة ، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتون نبات الشيء في السيل [ ص: 323 ] ويذهب حراقه ، ثم يسأل حتى يجعل الله له الدنيا وعشرة أمثالها معها . ورواه مسلم في صحيحه . وفي رواية : نحن يوم القيامة على تل مشرفين على الخلائق . ذكرها عبد الحق في الجمع بين الصحيحين . ولعبد الرزاق عنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتجلى لهم الرب - تبارك وتعالى - ينظرون إلى وجهه ، فيخرون له سجدا ، فيقول : ارفعوا رءوسكم ، فليس هذا بيوم عبادة . وللدارقطني عنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتجلى لنا ربنا - عز وجل - يوم القيامة ضاحكا . ولأبي قرة عنه - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا كان يوم القيامة ، جمعت الأمم . فذكر الحديث ، وفيه : فيقول : أتعرفون الله - عز وجل - إن رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقول : وكيف تعرفونه ، ولم تروه ؟ فيقولون : نعلم أنه لا عدل له . قال : فيتجلى تبارك وتعالى ، فيخرون له سجدا .

      وفي سنن ابن ماجه عنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رءوسهم فإذا الرب - جل جلاله - قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال تعالى : السلام عليكم يا أهل الجنة ، وهو قوله عز وجل : ( سلام قولا من رب رحيم ) فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه ، حتى يحتجب عنهم ، وتبقى فيهم بركته ونوره .

      وللبيهقي عنه - رضي [ ص: 324 ] الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أهل الجنة في مجلس فهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة ، فرفعوا رءوسهم ، فإذا الرب - تبارك وتعالى - قد أشرف ، فقال تعالى : يا أهل الجنة سلوني . قالوا : نسألك الرضا عنا . قال تعالى : رضائي أحلكم داري ، وأنالكم كرامتي ، هذا أوانها فسلوني . قالوا : نسألك الزيادة . قال : فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر ، أزمتها زمرد أخضر وياقوت أحمر ، فجاءوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها ، فيأمر الله بأشجار عليها الثمار ، فتجيء جواري الحور العين ، وهن يقلن : نحن الناعمات فلا نبأس ، ونحن الخالدات فلا نموت ، أزواج قوم مؤمنين كرام ، ويأمر الله - عز وجل - بكثبان من مسك أبيض أذفر ، فتثير عليهم ريحا يقال لها : المثيرة ، حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن ، وهي قصبة الجنة ، فتقول الملائكة : يا ربنا قد جاء القوم . فيقول : مرحبا بالصادقين ، ومرحبا بالطائعين .

      قال : فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إلى الله - تبارك وتعالى - ويتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضا ، ثم يقول : أرجعوهم إلى القصور بالتحف ، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذلك قوله تعالى : ( نزلا من غفور رحيم )
      ، ( فصلت : 31 ) رواه في كتاب البعث والنشور ، وفي كتاب الرؤية .

      وللدارقطني عنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله - عز وجل - يتجلى للناس عامة ، ويتجلى لأبي بكر خاصة .

      ولابن وهب والدارقطني ، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما ، فكان أكثر خطبته ذكر الدجال يحذرنا منه ويحدثنا عنه ، حتى فرغ من خطبته ، فكان فيما قال لنا يومئذ : إن الله - عز وجل - لم يبعث نبيا إلا حذره أمته ، وإني آخر الأنبياء ، وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم لا محالة ، فإن يخرج وأنا بين أظهركم ، فأنا حجيج كل مسلم ، وإن يخرج فيكم بعدي ، فكل امرئ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ، إنه يخرج من خلة بينالعراق والشام ، عاث يمينا وعاث [ ص: 325 ] شمالا ، يا عباد الله اثبتوا ، وإنه يبدأ ، فيقول : أنا نبي ، ولا نبي بعدي ، ثم ينثني فيقول : أنا ربكم ، ولن تروا ربكم حتى تموتوا ، وإنه مكتوب بين عينيه كافر ، يقرؤه كل مؤمن ، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه ، وليقرأ فواتح سورة الكهف ، وإنه يسلط على نفس من بني آدم فيقتلها ثم يحييها ، وإنه لا يعدو ذلك ، ولا يسلط على نفس غيرها ، وإن من فتنته أن معه جنة ونارا ، فناره جنة ، وجنته نار ، فمن ابتلي بناره فليغمض عينيه وليستغث بالله ، تكن بردا وسلاما كما كانت بردا وسلاما على إبراهيم ، وإن أيامه أربعون يوما : يوما كسنة ، ويوما كشهر ، ويوما كجمعة ، ويوما كالأيام ، وآخر أيامه كالسراب ، يصبح الرجل عند باب المدينة فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر . فقالوا : كيف نصلي يا رسول الله في تلك الأيام ؟ قال : تقدرون كما تقدرون في الأيام الطوال .

      وللإمام أحمد ، وأبي داود ، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه دعاء ، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم ، قال : قل حين تصبح : لبيك اللهم لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، ومنك وإليك ، اللهم وما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف فمشيئتك بين يديه ، ما شئت كان ، وما لم تشأ لم يكن ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، إنك على كل شيء قدير . اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت ، وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت ، وأنت وليي في الدنيا والآخرة ، توفني مسلما وألحقني بالصالحين ، أسألك اللهم الرضا بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ، أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكسب خطيئة محبطة أو ذنبا لا تغفره ، اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة [ ص: 326 ] ذا الجلال والإكرام ، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك ، وكفى بك شهيدا ، أني أشهد أن لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك ، لك الملك ولك الحمد ، وأنت على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك ، وأشهد أن وعدك حق ، وأن لقاءك حق ، والجنة حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وأنت تبعث من في القبور ، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم .

      وللإمام أحمد ، وابن حبان ، والحاكم في صحيحيهما عن أبي مجلز قال : صلى بنا عمار - رضي الله عنه - صلاة ، فأوجز فيها ، فأنكروا ذلك فقال : ألم أتم الركوع والسجود ؟ قالوا : بلى . قال : أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو به : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين .

      وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد ، وفي صحيح الحاكم ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجابر : يا جابر ، ألا أبشرك ؟ قال : بلى ، بشرك الله بخير . قال : شعرت أن الله أحيا أباك ، قال : فأقعده بين يديه ، فقال : تمن علي عبدي ما شئت أعطكه . قال : يا رب ، ما عبدتك حق عبادتك ، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا ، فأقاتل مع نبيك فأقتل فيك مرة أخرى . قال تعالى : إنه قد سلف مني أنك إليها لا ترجع . وهو في المسند من حديث جابر . وللترمذي عنه [ ص: 327 ] - رضي الله عنه - قال : لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد ، قال رسول الله : يا جابر ، ألا أخبرك ما قال الله - عز وجل - لأبيك ؟ قال : بلى . قال : ما كلم الله - عز وجل - أحدا إلا من وراء حجاب ، وكلم أباك كفاحا ، فقال : يا عبدي ، تمن علي أعطك . قال : يا رب ، تحييني فأقتل فيك ثانية . قال : إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون . قال : يا رب ، فأبلغ من ورائي . فأنزل الله - تعالى - هذه الآية : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) الآية .

      قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . قلت : وإسناده صحيح . وللترمذي ، والطبراني ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ، ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه ، وإن أفضلهم منزلة من ينظر إلى وجه الله - تبارك وتعالى - كل يوم مرتين .

      وفي رواية ابن عرفة : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ، وفي رواية سعيد بن هشيم ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 328 ] يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إلى الله تبارك وتعالى . ورواه الدارقطني ، وله عنه - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ألا أخبركم بأسفل أهل الجنة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، فذكر الحديث إلى أن قال : حتى إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه ، أشرف الرب - تبارك وتعالى - عليهم ، فينظرون إلى وجه الرحمن - عز وجل - فيقول : يا أهل الجنة ، هللوني وكبروني وسبحوني بما كنتم تهللوني وتكبروني وتسبحوني في دار الدنيا ، فيتجاوبون بتهليل الرحمن ، فيقول تبارك وتعالى لداود : يا داود قم فمجدني ، فيقوم داود فيمجد ربه عز وجل .

      وروى عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنة إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه ، تجلى لهم الرب تبارك وتعالى ، فنظروا إلى وجه الرحمن - عز وجل - فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن عز وجل .

      وقال الترمذي - رحمه الله : حدثنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا هشام بن عمار ، أخبرنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثنا حسان بن عطية ، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة - رضي الله عنه - فقال أبو هريرة : أتسأل الله - تعالى - أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة ؟ فقال سعيد : أفيها سوق ؟ قال : نعم ، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنة إذا دخلوها ، نزلوا فيها بفضل أعمالهم ، ثم يؤذن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا ، فيزورون ربهم ، ويبرز لهم عرشه ، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة ، فتوضع لهم منابر من نور ، ومنابر من لؤلؤ ، ومنابر من ياقوت ، ومنابر من زبرجد ، ومنابر من ذهب ، ومنابر من فضة ، ويجلس أدناهم ، وما فيهم من دنيء على كثبان المسك [ ص: 329 ] والكافور ، وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا . قال أبو هريرة : قلت يا رسول الله ، وهل نرى ربنا ؟ قال : نعم ، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر ؟ قلنا : لا . وقال : كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم ، ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضره الله - تعالى - محاضرة حتى يقول للرجل منهم : يا فلان ابن فلان ، أتذكر يوم قلت كذا وكذا ؟ فيذكره ببعض غدراته في الدنيا ، فيقول : يا رب ، أفلم تغفر لي ؟ فيقول : بلى ، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه . فبينما هم على ذلك ، غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ، ويقول ربنا عز وجل : قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة ، فخذوا ما اشتهيتم . فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة ، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله ، ولم تسمع الآذان ، ولم يخطر على القلوب ، فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى ، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا . قال : فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة ، فيلقى من هو دونه ، وما فيهم دنيء ، فيروعه ما يرى عليه من اللباس ، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه ، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ، ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا ، فيقلن : مرحبا وأهلا ، لقد جئت وإن لك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه ، فنقول : إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ، ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا . هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

      قلت : ابن أبي العشرين كاتب الأوزاعي . قال أحمد ، وأبو حاتم : ثقة . وقال النسائي : ليس بذاك القوي . وقال البخاري : ربما يخالف في حديثه ، وفي التقريب صدوق ربما أخطأ ، وأما بقية رجاله فلا يسأل عنهم . ورواه ابن ماجه ، وابن أبي الدنيا ، وابن أبي عاصم ، ولابن بطة ، عن عمار بن رويبة - رضي الله عنه - قال : نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى القمر ليلة البدر ، فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضارون في رؤيته ، فإن [ ص: 330 ] استطعتم على أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها فافعلوا .

      وفي رواية عنه قال : نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القمر ليلة البدر فقال : إنكم سترون ربكم - تبارك وتعالى - كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ركعتين قبل طلوع الشمس ، وركعتين بعد غروبها فافعلوا . ولأبي معاوية ، عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال : يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقولون : يا نبي الله ، إن الله فتح بك وختم بك وغفر لك ، قم فاشفع لنا إلى ربك ، فيقول : نعم ، أنا صاحبكم ، فيخرج يحوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة ، فيأخذ بحلقة الباب فيقرع ، فيقال : من هذا ؟ فيقول : محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : فيفتح له فيجيء حتى يقوم بين يدي الله - عز وجل - فيستأذن في السجود ، فيؤذن له . الحديث .

      ولابن بطة ، والبزار ، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبريل ، فإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها ، وإذا في وسطها نكتة سوداء . قال : قلت : يا جبريل ما هذه ؟ قال : هذه الدنيا صفاؤها وحسنها . قال : قلت : وما هذه اللمعة في وسطها ؟ قال : هذه الجمعة . قال : قلت : وما الجمعة ؟ قال : يوم من أيام ربك عظيم ، وسأخبرك بشرفه وفضله ، واسمه في الآخرة . أما شرفه وفضله في الدنيا ، فإن الله - تعالى - جمع فيه أمر الخلق ، وأما ما يرجى فيه ، فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة ، يسألان الله فيها خيرا إلا أعطاهما إياه ، وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة ، فإن الله - تبارك وتعالى - إذا صير أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، وجرت عليهم أيامها وساعاتها ، ليس بها ليل ولا نهار ، إلا قد علم الله مقدار ذلك وساعاته ، فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرز - أو يخرج - فيه أهل الجنة إلى جمعتهم ، نادى مناد : يا أهل الجنة ، اخرجوا إلى دار [ ص: 331 ] المزيد ، لا يعلم سعته وعرضه وطوله إلا الله - تعالى - في كثبان من المسك . قال : فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت . قال : فإذا وضعت لهم ، وأخذ القوم مجالسهم ، بعث الله - تبارك وتعالى - ريحا تدعى المثيرة ، تثير عليهم آثار المسك الأبيض ، تدخله من تحت ثيابهم ، وتخرجه في وجوههم وأشعارهم ، فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها ذلك الطيب بإذن الله - تعالى .

      قال : ثم يوحي الله - سبحانه وتعالى - إلى حملة العرش ، فيوضع بين ظهراني الجنة ، وبينه وبينهم الحجب ، فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول : أين عبادي الذين أطاعوني في الغيب ، ولم يروني وصدقوا رسلي ، واتبعوا أمري ؟ فسلوني فهذا يوم المزيد . قال : فيجتمعون على كلمة واحدة : ربنا رضينا عنك فارض عنا . قال : فيرجع الله - تعالى - في قولهم أن يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم ، لما أسكنتكم جنتي ، فهذا يوم المزيد فسلوني . قال : فيجتمعون على كلمة واحدة : رب وجهك ، رب وجهك ، أرنا ننظر إليه . قال : فيكشف الله - تبارك وتعالى - الحجب ، ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء ، لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا ، لاحترقوا مما غشيهم من نوره . قال : ثم يقال : ارجعوا إلى منازلكم . قال : فيرجعون إلى منازلهم ، وقد خفوا على أزواجهم ، وخفين عليهم مما غشيهم من نوره ، فإذا صاروا إلى منازلهم يزاد النور وأمكن ، ويزاد وأمكن ، حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها ، قال : فيقول لهم أزواجهم : لقد خرجتم من عندنا على صورة ، ورجعتم على غيرها . قال : فيقولون : ذلك بأن الله تجلى لنا ، فنظرنا له إلى ما خفينا به عليكن . قال : فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه ، قال : وذلك قوله عز وجل : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )
      . ولابن مهدي عنه - رضي الله عنه - في قوله عز وجل : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ ص: 332 ] قال : النظر إلى وجه الله عز وجل . قال الحاكم رحمه الله تعالى : وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع . ولابن خزيمة عن أبي نضرة ، قال : خطبنا ابن عباس - رضي الله عنه - فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من نبي إلا وله دعوة تعجلها في الدنيا ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فآتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب ، فيقال : من أنت ؟ فأقول : أنا محمد . فآتي ربي ، وهو على كرسيه - أو على سريره - فيتجلى لي ربي ، فأخر له ساجدا .

      ولأبي بكر بن أبي داود ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أهل الجنة يرون ربهم - تبارك وتعالى - في كل جمعة في رمال الكافور ، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة ، وأبكرهم غدوا . وللصنعاني ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : خلق الله الملائكة لعبادته أصنافا ، فإن منهم لملائكة قياما صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة ، وملائكة ركوعا خشوعا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة ، وملائكة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة ، وتجلى لهم - تعالى - ونظروا إلى وجهه الكريم ، قالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك .

      وللدارمي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن فضالة - يعني : ابن عبيد - رضي الله عنه - كان يقول : اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق [ ص: 333 ] إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة . وللإمام أحمد ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا ، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ، ليست بناتئة ولا حجراء ، فإن التبس عليكم ، فاعلموا أن ربكم ليس بأعور ، وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا .

      وقال الصاغاني ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا عباد بن منصور ، قال : سمعت عدي بن أرطأة يخطب على المنبر بالمدائن ، فجعل يعظ حتى بكى وأبكى ، ثم قال : كونوا كرجل قال لابنه وهو يعظه : يا بني أوصيك أن لا تصلي صلاة إلا ظننت أنك لا تصلي بعدها غيرها حتى تموت ، وتعال يا بني نعمل عمل رجلين ، كأنهما قد وقفا على النار ثم سألا الكرة ، ولقد سمعت فلانا - نسي عباد اسمه - ما بيني وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيره ، فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ، ما منهم ملك تقطر دمعته من عينه إلا وقعت ملكا يسبح الله - تعالى . قال : وملائكة سجود منذ خلق السماوات والأرض ، لم يرفعوا رءوسهم ، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ، وصفوف لم ينصرفوا عن مصافهم ، ولا ينصرفون إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة وتجلى لهم ربهم ، فنظروا إليه قالوا : سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لنا أن نعبدك . فثبت بهذه الأحاديث المتواترة الصحيحة الصريحة أن الله - عز وجل - يرى في الآخرة كما يشاء ، وأن الشهداء بعد موتهم يرونه ، وأن الملائكة يرونه ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يراه عند استئذانه في الشفاعة ، وأن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - برهم وفاجرهم يرونه في عرصات القيامة ، وهي للفاجر والمنافق ابتلاء وامتحان ، ونوع من العقوبة ، وأما رؤية الفرح والسرور والتلذذ بالنظر إلى وجه الله - عز وجل - فهي [ ص: 334 ] خاصة لأوليائه المؤمنين الذين يؤذن لهم في السجود ، ويعطون النور التام على الصراط فيتبعونه ، ثم يتجلى لهم في الجنة فيرونه كما يشاء ، وهي الزيادة في يوم المزيد كما في الآيات السابقة ، وما في معناها من الأحاديث التي سردناها ، وقد جاءت أحاديث صحيحة في تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل ، منها حديث أبي موسى ، وحديث أنس ، وحديث حذيفة ، وحديث صهيب ، وقد تقدم ذكرها قريبا .

      وللدارقطني ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : النظر إلى وجه الله عز وجل .

      ولابن جرير عنه - رضي الله عنه - قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الزيادة في كتاب الله - عز وجل - في قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال صلى الله عليه وسلم : الحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل .

      ولابن جرير ، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : الزيادة النظر إلى وجه الرحمن - عز وجل جلاله . ورواه ابن حميد عنه بلفظ : الزيادة النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى . وللحسن بن عرفة ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : للذين أحسنوا العمل في الدنيا ، والحسنى هي الجنة ، والزيادة وهي النظر إلى وجه الله عز وجل .

      التالي السابق


      الخدمات العلمية