الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قال الدرجة الثانية : إيثار رضا الله على رضا غيره . وإن عظمت فيه المحن . وثقلت فيه المؤن ، وضعف عنه الطول والبدن .

إيثار رضا الله عز وجل على غيره : هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ، ولو أغضب الخلق . وهي درجة الأنبياء . وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه . وأعلاها لأولي العزم منهم . وأعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم عليه وعليهم . فإنه قاوم العالم كله . وتجرد للدعوة إلى الله . واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى . وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه . ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم . بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورا على إيثار مرضاة الله ، وتبليغ رسالاته ، وإعلاء كلماته ، وجهاد أعدائه . حتى ظهر دين الله على كل دين . وقامت حجته على العالمين . وتمت نعمته على المؤمنين . فبلغ الرسالة . وأدى الأمانة . ونصح الأمة . وجاهد في الله حق جهاده . وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه . فلم ينل أحد من درجة هذا الإيثار ما نال . صلوات الله وسلامه عليه .

وأما قوله : وإن عظمت فيه المحن . وثقلت فيه المؤن .

فإن المحنة تعظم فيه أولا ، ليتأخر من ليس من أهله . فإذا احتملها وتقدم انقلبت تلك المحن منحا . وصارت تلك المؤن عونا . وهذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة . فإنه ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق ، وتحمل ثقل ذلك ومؤنته ، وصبر على محنته : إلا أنشأ الله من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ، ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته . فانقلبت مخاوفه أمانا ، ومظان عطبه نجاة ، وتعبه راحة ، ومؤنته معونة ، وبليته نعمة ، ومحنته منحة ، وسخطه رضا . فيا خيبة المتخلفين ، ويا ذلة المتهيبين .

[ ص: 286 ] هذا ، وقد جرت سنة الله - التي لا تبديل لها - أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته : أن يسخط عليه من آثر رضاه ، ويخذله من جهته . ويجعل محنته على يديه . فيعود حامده ذاما . ومن آثر مرضاته ساخطا . فلا على مقصوده منهم حصل ، ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل . وهذا أعجز الخلق وأحمقهم .

هذا مع أن رضا الخلق : لا مقدور ، ولا مأمور ، ولا مأثور . فهو مستحيل . بل لا بد من سخطهم عليك . فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضا الله عنك أحب إليك وأنفع لك من أن يسخوا عليك والله عنك غير راض . فإذا كان سخطهم لا بد منه - على التقديرين - فآثر سخطهم الذي ينال به رضا الله . فإن هم رضوا عنك بعد هذا ، وإلا فأهون شيء رضا من لا ينفعك رضاه ، ولا يضرك سخطه في دينك ، ولا في إيمانك ، ولا في آخرتك . فإن ضرك في أمر يسير في الدنيا فمضرة سخط الله أعظم وأعظم . وخاصة العقل : احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما . وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما . فوازن بعقلك . ثم انظر أي الأمرين خير فآثره ، وأيهما شر فابعد عنه . فهذا برهان قطعي ضروري في إيثار رضا الله على رضا الخلق .

هذا مع أنه إذا آثر رضا الله كفاه الله مؤنة غضب الخلق . وإذا آثر رضاهم لم يكفوه مؤنة غضب الله عليه .

قال بعض السلف : لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة . إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها .

وقال الشافعي رضي الله عنه : رضا الناس غاية لا تدرك . فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه .

ومعلوم : أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربها ومولاها على غيره . ولقد أحسن أبو فراس في هذا المعنى - إلا أنه أساء كل الإساءة في قوله ، إذ يقوله لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعا ولا ضرا :


فليتك تحلو ، والحياة مريرة وليتك ترضى . والأنام غضاب [ ص: 287 ]     وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب     إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب

ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - ما يستطاع به هذا الإيثار العظيم الشأن . فقال :

ويستطاع هذا بثلاثة أشياء : بطيب العود . وحسن الإسلام . وقوة الصبر .

من المعلوم : أن المؤثر لرضا الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم ، وسعيهم في إتلافه ولا بد . هذه سنة الله في خلقه . وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل . والذين يأمرون بالقسط من الناس ، والقائمين بدين الله ، الذابين عن كتابه وسنة رسوله عندهم ؟

فمن آثر رضا الله فلا بد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم ، وغرثاهم وجهالهم ، وأهل البدع والفجور منهم ، وأهل الرياسات الباطلة ، وكل من يخالف هديه هديه . فما يقدم على معاداة هؤلاء إلا طالب الرجوع إلى الله ، عامل على سماع خطاب ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ومن إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال . ولا تقلقله الجبال ، ومن عقد عزيمة صبره محكم لا تحله المحن والشدائد والمخاوف .

قلت : وملاك ذلك أمران : الزهد في الحياة والثناء . فما ضعف من ضعف ، وتأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء ، وثناء الناس عليه ، ونفرته من ذمهم له . فإذا زهد في هذين الشيئين ، تأخرت عنه العوارض كلها . وانغمس حينئذ في العساكر .

وملاك هذين الشيئين بشيئين : صحة اليقين . وقوة المحبة .

وملاك هذين بشيئين أيضا : بصدق اللجأ والطلب ، والتصدي للأسباب الموصلة إليهما .

فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم . والتوفيق بعد بيد من أزمة الأمور كلها بيده وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما .

التالي السابق


الخدمات العلمية