الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              6235 6609 - حدثنا بشر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدر وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل" [6694 - مسلم: 1640 - فتح: 11 \ 499].

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل" .

                                                                                                                                                                                                                              وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل" .

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              هذا أبين شيء في القدر -كما نبه عليه المهلب - فإنه أمر قد فرغ الله منه وأحكمه، لا أنه شيء يختاره العبد، فإذا أراد أن يستخرج به من البخيل شيئا ينفعه به في آخرته ودنياه سبب له شيئا مخيفا، أو مطمعا فيحمله ذلك الخوف أو الطمع على أن ينذر لله نذرا من عتق أو صدقة أو صيام، إن صرف الله عنه ذلك الخوف، أو أتاه بذلك المطموع فيه، فلا يكون إلا ما قد قضى الله به في أم الكتاب، لا يحيله النذر الذي نذره عما قدره، وقد استخرج به (منه) ما لم يسمح به [ ص: 148 ] لولا المخوف الذي هرب منه، أو المطموع الذي حرص عليه حتى طابت نفسه بما لم تكن تطيب قبل ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              ونهيه - عليه السلام - عن النذر، وهو من أعمال الخير أبلغ زاجر عن توهم العبد أنه يدفع عن نفسه ضرا، أو يجلب إليه نفعا، أو يختار له ما يشاء. ومتى اعتقد ذلك فقد جعل نفسه مشاركا لله تعالى في خلقه، ومجوزا عليه ما لم يقدره، تعالى عما يقولون، ودل هذا أن اعتقاد القلب لما لا يجب اعتقاده أعظم في الإثم من أن يكفر بالصدقة، والصلاة، والصوم، والحج، وسائر أعمال الجوارح التي لا ينذرها; لأن نهيه - عليه السلام - عن هذا النذر وإن كان خيرا ظاهرا يدل على أنه حابط من الفعل، حين توهم به الخروج عما قدره الله، فإن سلم من هذا الظن، واعترف أن نذره لا يرد عنه شيئا قد قدره الله عليه، وأن القدر سبب له بما أخافه به استخراج صدقة هو شحيح بمثلها، فإنه مأجور بنذره، ولم يكن حينئذ نذره منهيا عنه، ولذلك -والله أعلم- عرف الله نبيه بهذا الحديث ليعرف أمته (بما) يجب أن يعتقدوا في النذر، فلا يحبط عملهم به.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              النذر ابتداء جائز، والمنهي عنه المعلق، كأنه يقول: لا أفعل يا رب خيرا حتى تفعل بي خيرا، فإذا دخل فيه فعليه الوفاء.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("لا يأتي") كذا في الأصول، وفي رواية أبي الحسن : يأت، بغير ياء، وكأنه كتبه على الوصل مثل قوله: سندع الزبانية [ ص: 149 ] [العلق: 18] بغير واو، وضبطه في رواية أبي الحسن بضم التاء، وليس ببين، قاله ابن التين : والصحيح نصبها.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("لم يكن قدرته") (معناه) أي: وأنا قدرت عليه الشدة فيجعل هو النذر ليحملها عنه، والنذر لا يحل عنه الشدة، فهو لا يغني عنه شيئا، ولا بد أن يأتيه الذي قدر عليه من (غرق) أو سلامة، فيجعل الناذر هذا الذي يجعل، فيسلمه الله من الشدة بنذره، ويكون ذلك النذر استخرجه من البخيل للشدة التي عرضت له.

                                                                                                                                                                                                                              قال الخطابي وغيره: وفي قوله: "أستخرج به من البخيل" دليل على وجوب النذر; إذ لو كان غير (واجب) لم يستخرج به.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: إلا في نذر اللجاج والغضب، كـ: إن كلمته فلله علي كذا، فالأظهر أنه مخير بين الوفاء بما التزم وبين أن يكفر كفارة يمين.

                                                                                                                                                                                                                              وقال مجاهد : في قوله تعالى: وليوفوا نذورهم [الحج: 29] هو أمر بالوفاء لكل ما نذر، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هو نحو ما نذر. وقيل: هو رمي الجمار، وليس ببين; لأن ذلك ليس بنذر. والله أعلم.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية