الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
. ( قال ) يرمل في الثلاثة الأول في كل شوط منها من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود فالحاصل أن كل طواف بعده سعي فالرمل في الثلاثة الأول منها سنة ، وكل طواف ليس بعده سعي فلا رمل فيه ، والرمل هو الاضطباع ، وهز الكتفين ، وهو أن يدخل أحد جانبي ردائه تحت إبطه ، ويلقيه على المنكب الآخر ، ويهز الكتفين في مشيه كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين ، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول : لا رمل في الطواف ، وإنما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهارا للجلادة للمشركين على ما روي { أن في عمرة القضاء لما أخلوا له البيت ثلاثة أيام وصعدوا الجبل طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فسمع بعض المشركين يقول لبعض : أضناهم حمى يثرب ، فاضطبع رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه فرمل فقال لأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين : رحم الله امرأ أرى من نفسه قوة وجلدا } فإذا كان ذلك لإظهار الجلادة يومئذ ، وقد انعدم ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل ، والمذهب عندنا أن الرمل سنة لحديث جابر ، وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { طاف يوم النحر في حجة الوداع فرمل في الثلاثة الأول ، ولم يبق المشركون بمكة عام حجة الوداع } .

وروي { أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد الرمل في طوافه فقال : علام أهز كتفي ، وليس هنا أحد أرائيه ، ولكنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله فأفعله اتباعا له } . وأكثر ما فيه أن سببه ما ذكر ابن عباس رضي الله عنه ولكنه صار سنة بذلك السبب فيبقى بعد زواله كرمي الجمار سببه رمي الخليل صلوات الله عليه الشيطان ، ثم بقي بعد زوال ذلك السبب ، والرمل من [ ص: 11 ] الحجر الأسود إلى الحجر الأسود عندنا .

وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه لا رمل بين الركن اليماني والحجر وإنما الرمل من الحجر إلى الركن اليماني

وروي في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني ; لأن المشركين كانوا يطلعون عليه فإذا تحول إلى الجانب الآخر حال البيت بينه وبينهم فكان لا يرمل } . وبهذا أخذ سعيد بن جبير وعطاء رحمهما الله تعالى ، ولكنا نأخذ بحديث جابر وابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر }

( قال ) وإن زحمك الناس في رملك فقم فإذا وجدت مسلكا فارمل ; لأنه تعذر عليه إقامة السنة في الطواف للزحام فليصبر حتى يتمكن من إقامة السنة كالمزحوم يوم الجمعة يصبر حتى يتمكن من السجود ، وتطوف الأربعة الأشواط الأخر مشيا على هينتك على هذا اتفق رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلما مررت بالحجر الأسود في طوافك هذا فاستلمه إن استطعت من غير أن تؤذي مسلما فإن لم تستطع فاستقبله وكبر وهلل ; لأن أشواط الطواف كركعات الصلوات فكما تفتتح كل ركعة تقوم إليها بالتكبير فكذلك تفتتح كل شوط باستلام الحجر ، وإن افتتحت به الطواف ، وختمته به أجزأك كما في الصلوات فترك تكبيرات الانتقال لا يمنع الجواز فكذلك لا بأس بترك استلام الحجر عند افتتاح كل شوط فإذا كان افتتاحه للطواف باستلام الحجر ، وختمه بذلك ففيما بين ذلك يجعل كالمستلم حكما .

التالي السابق


الخدمات العلمية