الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                    ( فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ( 26 ) ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ( 27 ) ) .

                                                                                                                                                                                                    يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم : أنه آمن له لوط ، يقال : إنه ابن أخي إبراهيم ، يقولون هو : لوط بن هاران بن آزر ، يعني : ولم يؤمن به من قومه سواه ، وسارة امرأة [ إبراهيم ] الخليل . لكن يقال : كيف الجمع بين هذه الآية ، وبين الحديث الوارد في الصحيح : أن إبراهيم حين مر على ذلك الجبار ، فسأل إبراهيم عن سارة : ما هي منه ؟ فقال : [ هي ] أختي ، ثم جاء إليها فقال لها : إني قد قلت له : " إنك : أختي " ، فلا تكذبيني ، فإنه ليس على وجه الأرض [ أحد ] مؤمن غيرك وغيري ، فأنت أختي في الدين . وكأن المراد من هذا - والله أعلم - أنه ليس على وجه [ ص: 273 ] الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك ، فإن لوطا عليه السلام ، آمن به من قومه ، وهاجر معه إلى بلاد الشام ، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل " سدوم " وإقليمها ، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي .

                                                                                                                                                                                                    وقوله : ( وقال إني مهاجر إلى ربي ) يحتمل عود الضمير في قوله : ( وقال ) ، على لوط ، لأنه أقرب المذكورين ، ويحتمل عوده إلى إبراهيم - قال ابن عباس ، والضحاك : وهو المكنى عنه بقوله : ( فآمن له لوط ) أي : من قومه .

                                                                                                                                                                                                    ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك ; ولهذا قال : ( إنه هو العزيز ) أي : له العزة ولرسوله وللمؤمنين به ، ( الحكيم ) في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية .

                                                                                                                                                                                                    وقال قتادة : هاجرا جميعا من " كوثى " ، وهي من سواد الكوفة إلى الشام . قال : وذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنها ستكون هجرة بعد هجرة ، ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم ، ويبقى في الأرض شرار أهلها ، حتى تلفظهم أرضوهم وتقذرهم روح الله ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ، تبيت معهم إذا باتوا ، وتقيل معهم إذا قالوا ، وتأكل ما سقط منهم " .

                                                                                                                                                                                                    وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث ، فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب قال : لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية ، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي ، فجئته ; إذ جاء رجل ، فانتبذ الناس وعليه خميصة ، وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص . فلما رآه نوف أمسك عن الحديث ، فقال عبد الله : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنها ستكون هجرة بعد هجرة ، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم ، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها ، فتلفظهم أرضوهم ، تقذرهم نفس الرحمن ، تحشرهم النار مع القردة والخنازير فتبيت معهم إذا باتوا ، وتقيل معهم إذا قالوا ، وتأكل منهم من تخلف " . قال : وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، كلما خرج منهم قرن قطع ، كلما خرج منهم قرن قطع " حتى عدها زيادة على عشرين مرة " كلما خرج منهم قرن قطع ، حتى يخرج الدجال في بقيتهم " .

                                                                                                                                                                                                    ورواه أحمد عن أبي داود ، وعبد الصمد ، كلاهما عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، به

                                                                                                                                                                                                    وقد رواه أبو داود في سننه ، فقال في كتاب الجهاد ، باب ما جاء في سكنى الشام :

                                                                                                                                                                                                    حدثنا عبيد الله بن عمر ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني [ أبي ] ، عن قتادة ، عن شهر بن [ ص: 274 ] حوشب ، عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ستكون هجرة بعد هجرة ، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضهم وتقذرهم نفس الرحمن ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير " .

                                                                                                                                                                                                    وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يزيد ، أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية ، عن شهر بن حوشب قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم ، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن ، والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم ، ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر ، وتبايعتم بالعينة ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ، ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم ، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه ، وتتوبوا إلى الله عز وجل " . وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها وتلفظهم أرضوهم ، وتقذرهم روح الرحمن ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ، تقيل حيث يقيلون ، وتبيت حيث يبيتون ، وما سقط منهم فلها " . ولقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال ، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم - قال يزيد : لا أعلمه إلا قال - يحقر أحدكم علمه مع علمهم ، يقتلون أهل الإسلام ، فإذا خرجوا فاقتلوهم ، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ، فطوبى لمن قتلهم ، وطوبى لمن قتلوه . كلما طلع منهم قرن قطعه الله " . فردد ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرين مرة ، أو أكثر ، وأنا أسمع .

                                                                                                                                                                                                    وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو النضر إسحاق بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا : حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثنا الأوزاعي ، عن نافع - وقال أبو النضر ، عمن حدثه ، عن نافع - عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة ، إلى مهاجر إبراهيم ، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها ، تلفظهم الأرضون وتقذرهم روح الرحمن ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، لها ما سقط منهم " .

                                                                                                                                                                                                    غريب من حديث نافع . والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء ، والله أعلم . وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ .

                                                                                                                                                                                                    وقوله : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب ) ، كقوله تعالى : ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ) [ مريم : 49 ] أي : إنه لما فارق قومه أقر الله عينه بوجود ولد صالح نبي [ وولد له ولد صالح ] في حياة جده . وكذلك قال الله : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ) [ الأنبياء : 72 ] [ ص: 275 ] أي : زيادة ، كما قال : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) أي : ويولد لهذا الولد ولد في حياتكما ، تقر به أعينكما . وكون يعقوب ولد لإسحاق نص عليه القرآن ، وثبتت به السنة النبوية ، قال الله : ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) [ البقرة : 133 ] ، وفي الصحيحين : " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " .

                                                                                                                                                                                                    فأما ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب [ نافلة ] ) ، قال : " هما ولدا إبراهيم " . فمعناه : أن ولد الولد بمنزلة الولد ; فإن هذا أمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                    وقوله : ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) ، هذه خلعة سنية عظيمة ، مع اتخاذ الله إياه خليلا وجعله للناس إماما ، أن جعل في ذريته النبوة والكتاب ، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم عليه السلام ، إلا وهو من سلالته ، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم ، فقام في ملئهم مبشرا بالنبي العربي القرشي الهاشمي ، خاتم الرسل على الإطلاق ، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العرباء ، من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ، عليهم السلام : ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه ، عليه أفضل الصلاة والسلام [ من الله تعالى ] .

                                                                                                                                                                                                    وقوله : ( وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) أي : جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة ، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني والمنزل الرحب ، والمورد العذب ، والزوجة الحسنة الصالحة ، والثناء الجميل ، والذكر الحسن ، فكل أحد يحبه ويتولاه ، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ، مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه ، كما قال تعالى : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] ، أي : قام بجميع ما أمر به ، وكمل طاعة ربه ; ولهذا قال تعالى : ( وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) ، كما قال تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) [ النحل : 120 - 121 ] .

                                                                                                                                                                                                    التالي السابق


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية