الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعا من التكليف ، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها ، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعا أخر من الطاعات ، وإما بسبب الشروع فيه ، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه ، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل البتة ، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى ، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولا ثم قال : ( الصادقين ) ثانيا ، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة ، فقال : ( والقانتين ) فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات ، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة ، وكان أعظم الطاعات قدرا أمران :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : الخدمة بالمال ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : " والشفقة على خلق الله " فذكره هنا بقوله ( والمنفقين )

                                                                                                                                                                                                                                            والثانية : الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله " التعظيم لأمر الله " فذكره هنا بقوله ( والمستغفرين بالأسحار ) .

                                                                                                                                                                                                                                            [ ص: 177 ] فإن قيل : فلم قدم هاهنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين ، وأخر في قوله " التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله " .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف ، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار ، وقوله " التعظيم لأمر الله " في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى ، فلا جرم كان الترتيب بالعكس .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة : هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد ، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله ( هو الله الخالق البارئ المصور ) [ الحشر : 24 ] إلا أنه ذكر هاهنا واو العطف وأظن - والعلم عند الله - أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية