الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجزئه حتى يطوف حول جميع البيت فإن طاف على جدار الحجر لم يجزه لأن الحجر من البيت ، والدليل عليه ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الحجر من البيت } وإن طاف على شاذروان [ الكعبة ] لم يجزه ; لأن ذلك كله من البيت ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو ؟ قال : نعم . قلت فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال : إن قومك قصرت بهم النفقة . قلت : فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أن قومك حديثو عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض } رواه البخاري ومسلم ، الجدر بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة هو الحجر وفي رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { آها يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم ، فأدخل فيه ما أخرج منه ، وألزقته بالأرض وجعلت له بابين . بابا شرقيا ، وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم } . وفي رواية لمسلم عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية ، أو قال بكفر ، لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله تعالى ، ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها من الحجر } . [ ص: 31 ] وفي رواية لمسلم أيضا { يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لنقضت الكعبة فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ، ورددت فيها ستة أذرع من الحجر ، فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة } وفي رواية له خمس أذرع ، وفي رواية له قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن قومك استقصروا من بنيان البيت ، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه ، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه ، فأراها قريبا من سبعة أذرع } هذه روايات الحديث في الحجر ، وهو بكسر الحاء وإسكان الجيم ، وهو محوط مدور على نصف دائرة ، وهو خارج عن جدار البيت في صوب الشام ، تركته قريش حين بنت البيت فأخرجته عن بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما سبق في هذه الأحاديث ، وحوط عليه جدار قصير ، وقد وصفه الإمام أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة فأحسن وأجاد ، فقال هو ما بين الركن الشامي والغربي ، وأرضه مفروشة برخام ، وهو مستو بالشاذروان ، قال وعرض الحجر من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشر ذراعا وثمان أصابع ، وللحجر بابان ملتصقان بركني الكعبة الشاميين .

                                      قال الأزرقي : بين هذين البابين عشرون ذراعا وعرضه اثنان وعشرون ذراعا وذرع جداره من داخله في السماء ذراع وأربع عشرة أصبعا ، وذرع جداره الغربي في السماء ذراع وعشرون أصبعا ، وذرع جدار الحجر من خارج ، ما يلي الركن الشامي ذراع وست عشرة أصبعا ، وطوله من وسطه في السماء ذراع وثلاثون أصبعا ، وعرض الجدار ذراعان إلا أصبعين ، وذرع تدوير الحجر من داخله ثمان وثلاثون ذراعا ، وذرع تدويره من خارجه أربعون ذراعا وست أصابع ، وذرع طوفة واحدة حول الكعبة والحجر مائة ذراع وثلاث وعشرون ذراعا واثنتا عشرة أصبعا . هذا آخر كلام الأزرقي . [ ص: 32 ] وأما الشاذروان فبشين معجمة وذال معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة ، وهو القدر الذي تركوه من عرض الأساس خارجا عن عرض الجدار مرتفعا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع . قال الأزرقي : طوله في السماء ست عشرة أصبعا وعشر ذراع . قال والذراع أربعة وعشرون أصبعا . قال أصحابنا : وهذا الشاذروان جزء من البيت ، نقضته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت . وهو ظاهر في جوانب البيت لكن لا يظهر عند الحجر الأسود ، وقد أحدث في هذه الأزمان عنده شاذروان . هذا بيان حقيقتي الحجر والشاذروان . والله أعلم .

                                      ( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : يشترط كون الطائف خارجا عن الشاذروان ، فإن طاف ماشيا عليه ولو في خطوة لم تصح طوفته تلك ; لأنه طاف في البيت لا بالبيت . ولو طاف خارج الشاذروان ، وكان يضع إحدى رجليه أحيانا على الشاذروان ويثب بالأخرى لم يصح طوافه بالاتفاق ، ولو طاف خارج الشاذروان وكان يمس الجدار بيده في موازاة الشاذروان أو غيره من أجزاء البيت ففي صحة طوافه وجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون ( أصحهما ) لا يصح ، صححه الإمام والأصحاب وقطع به الأكثرون ، ونقله إمام الحرمين عن أكثر الأصحاب . وقال الرافعي ( الصحيح ) باتفاق فرق الأصحاب أنه لا يصح لأنه طاف وبعضه في البيت ( والثاني ) يصح ، واستبعده الإمام وغيره ، واستدلوا له بأن الاعتبار بجملة البدن ولا نظر إلى عضو منه ، ولأنه يسمى طائفا بالبيت . وينبغي أن يتفطن لدقيقة ، وهي أن من قبل الحجر الأسود فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت ، فيلزمه أن يقر قدميه في موضعهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما ; لأنه لو زلت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قليلا ولو قدر شبر أو أقل ، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضع الذي زلتا إليه ومضى من هناك في طوافه لكان قد قطع جزءا من مطافه ويده في هواء الشاذروان فتبطل طوفته تلك . قال أصحابنا : [ ص: 33 ] ومتى فعل في مروره ما يقتضي بطلان طوفته فإنما يبطل ما يأتي به بعد ذلك من تلك الطوفة لا ما مضى ، فينبغي له أن يرجع إلى ذلك الموضع ويطوف خارجا عن البيت وتحسب طوفته حينئذ والله أعلم .

                                      قال أصحابنا : وينبغي له أن يطوف خارج الحجر . وهكذا نص عليه الشافعي في كتبه . قال الشافعي في المختصر : وإن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة لم يعتد به . هذا نصه . واتفق الأصحاب على أنه لو دخل أحد بابي الحجر وخرج من الآخر لم يحسب له ذلك ولا ما بعده حتى ينتهي إلى الباب الذي دخل منه في طوفته الأخرى . واختلف أصحابنا في حكم الحجر على وجهين ( أحدهما ) أنه كله من البيت فيشترط الطواف خارجه كله ( والثاني ) أن بعضه من البيت وما زاد ليس من البيت . وفي هذا البعض ثلاثة أوجه ( أحدها ) وهو الأشهر عند المفرعين على هذا الوجه ست أذرع ، وبهذا قطع إمام الحرمين وآخرون ( والثاني ) سبع أذرع ، وبه قطع أبو علي البندنيجي والبغوي وغيرهما ( والثالث ) ست أذرع أو سبع ، وبه جزم المتولي وحكاه غيره .

                                      [ ص: 34 ] قال الرافعي : مقتضى كلام كثيرين من الأصحاب أن الحجر كله من البيت . قال : وهو ظاهر نصه في المختصر ، قال لكن الصحيح أنه ليس كذلك ، بل الذي من البيت قدر ست أذرع يتصل بالبيت ( وقيل ) ست [ ص: 35 ] أو سبع . قال ونص المختصر محمول على هذا . قال فلو لم يدخل من باب الحجر بل اقتحم جداره وخلف بينه وبين البيت القدر الذي هو من البيت وقطع مسافة الحجر على السمت صح طوافه هذا كلام الرافعي . وهذا الذي صححه الرافعي ، جزم به أبو علي البندنيجي ، وإمام الحرمين والبغوي المتولي وجماهير الخراسانيين وصاحب البيان ، ونقله صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد ، وليس هو في تعليق أبي حامد هكذا ، بل الذي في تعليقه أنه لو طاف في شيء من الحجر لم يصح طوافه ، ولم يذكر في تعليقه غيره ، فحصل خلاف في أنه هل يشترط الطواف خارج الحجر أم يجوز داخله فوق الأذرع المذكورة ؟ والصحيح الذي قطع به المصنف وأكثر الأصحاب ، وهو نص الشافعي في المختصر اشتراط الطواف خارج جميع الحجر وخارج جداره ، وهو صريح في النص الذي قدمته عن المختصر ، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر . وهكذا الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة فمن بعدهم . وهذا يقتضي وجوب الطواف خارج الحجر ، سواء كان كله من البيت أم بعضه ; لأنه [ ص: 36 ] وإن كان بعضه من البيت ، فالمعتمد في باب الحج الاقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فوجب الطواف بجميعه . وفي صحيحه في كتاب أيام الجاهلية عن ابن عباس أنه قال " يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم ، وأسمعوني ما تقولون ، ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عباس : من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر " .

                                      أما حديث عائشة فقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح : الروايات قد اضطربت فيه فروي الحجر من البيت . وروي ست أذرع . وروي ست أو نحوها وروي خمس أذرع ، وروي قريبا من سبع أذرع . قال : وإذا اضطربت تعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين ، والله أعلم .

                                      وممن قطع بما ذكرته من اشتراط الطواف خارج الحجر الشيخ أبو حامد والماوردي والدارمي والقاضي أبو الطيب المحاملي وصاحب الشامل والمصنف وآخرون . والله أعلم .

                                      ( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لو طاف على شاذروان الكعبة أو سلك في الحجر أو على جدار الحجر لم يصح طوافه ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، كذا حكاه العبدري عنهم . قال ابن المنذر . كان ابن عباس يقول " الحجر من البيت " قال واختلفوا فيمن سلك الحجر في طوافه ، فقال عطاء ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : لا يصح ما أتى به في الحجر فيعيد ذلك . وقال الحسن البصري : يعيد طوافه كله ، وإن كان قد تحلل لزمه دم . وقال أبو حنيفة : إن كان بمكة لزمه قضاء المتروك فقط ، وإن رجع إلى بلده لزمه دم . قال ابن المنذر : بقول عطاء أقول .




                                      الخدمات العلمية