التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 112 ] فصل

ثم الملائكة عليهم السلام بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام : فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم ، ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش ، وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش ، وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون [ النساء : 172 ] . ومنهم جبريل وميكائيل عليهما السلام ، وقد ذكر الله عنهم أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب ، كما قال تعالى : ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم [ غافر : 7 - 9 ] .

ولما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة ، كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة ويدعون كما ثبت في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال : إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال الملك : آمين ولك بمثل .

ومنهم سكان السماوات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا ونهارا صباحا [ ص: 113 ] ومساء ، كما قال : يسبحون الليل والنهار لا يفترون [ الأنبياء : 20 ] . فمنهم الراكع دائما ، والقائم دائما ، والساجد دائما ، ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم ، ومنهم الموكلون بالجنان ، وإعداد الكرامة لأهلها ، وتهيئة الضيافة لساكنيها ; من ملابس ، ومصاغ ، ومساكن ، ومآكل ، ومشارب ، وغير ذلك مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

وخازن الجنة ملك يقال له : رضوان جاء مصرحا به في بعض الأحاديث . ومنهم الموكلون بالنار ، وهم الزبانية ، ومقدموهم تسعة عشر ، وخازنهامالك ، وهو مقدم على جميع الخزنة ، وهم المذكورون في قوله تعالى : وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب [ غافر : 49 ] . الآية . وقال تعالى : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون [ الزخرف : 77 - 78 ] . وقال تعالى : عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [ التحريم : 6 ] . وقال تعالى : عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو [ المدثر : 30 - 31 ] .

[ ص: 114 ] ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم كما قال تعالى : سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [ الرعد : 10 - 11 ] . الآيات .

قال الوالبي : عن ابن عباس له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله . وهي الملائكة . وقال عكرمة ، عن ابن عباس يحفظونه من أمر الله . قال : ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه . وقال مجاهد : ما من عبد إلا وملك موكل بحفظه في نومه ، ويقظته من الجن والإنس والهوام ، فما من شيء يأتيه يريده إلا قال : وراءك . إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه . وقال أبو أمامة : ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه ، حتى يسلمه للذي قدر له . وقال أبو مجلز : جاء رجل إلى علي فقال : إن نفرا من مراد يريدون قتلك فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ، إن الأجل جنة حصينة .

ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد ، كما قال تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ ق : 17 - 18 ] . [ ص: 115 ] وقال تعالى : وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون [ الانفطار : 10 - 12 ] .

قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في تفسيره : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، ومسعر ، عن علقمة بن مرثد ، عن مجاهد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين ; الجنابة ، والغائط ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجذم حائط أو بعيره أو ليستره أخوه . هذا مرسل من هذا الوجه ، وقد وصله البزار في مسنده من طريق حفص بن سليمان القارئ وفيه كلام عن علقمة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ينهاكم عن التعري ، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات ; الغائط ، والجنابة ، والغسل ، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه ، أو بجذم حائط ، أو بعيره . ومعنى إكرامهم أن يستحيي منهم فلا يملي عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها ، فإن الله خلقهم كراما [ ص: 116 ] في خلقهم وأخلاقهم . ومن كرمهم أنه قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح ، والسنن ، والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب . وفي رواية ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ولا بول . وفي رواية رافع ، عن أبي سعيد مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ، ولا تمثال . وفي رواية مجاهد ، عن أبي هريرة مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو تمثال ، وفي رواية ذكوان أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس . ورواه زرارة بن أوفى عنه : لا تصحب الملائكة رفقة معهم جرس .

وقال البزار ، حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف [ ص: 117 ] بالفلوسي ، حدثنا بيان بن حمران ، حدثنا سلام ، عن منصور بن زاذان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ملائكة الله يعرفون بني آدم . وأحسبه قال : ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه ، وقالوا : أفلح الليلة فلان ، نجا الليلة فلان ، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه ، وقالوا : هلك فلان الليلة . ثم قال البزار : سلام هذا أحسبه سلاما المدائني ، وهو لين الحديث . وقد قال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الملائكة يتعاقبون ; ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ، وهو أعلم فيقول : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون . هذا اللفظ في كتاب بدء الخلق بهذا السياق . وهذا اللفظ تفرد به دون مسلم من هذا الوجه ، وقد أخرجاه في " الصحيحين " في البدء من حديث مالك ، عن أبي الزناد به . وقال البزار : [ ص: 118 ] حدثنا زياد بن أيوب ، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي ، حدثنا تمام بن نجيح ، عن الحسن يعني البصري ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من حافظين يرفعان إلى الله عز وجل ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله تعالى : قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة . ثم قال : تفرد به تمام بن نجيح ، وهو صالح الحديث قلت : وقد وثقه ابن معين ، وضعفه البخاري ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، والنسائي ، وابن عدي ، ورماه ابن حبان بالوضع ، وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره .

والمقصود أن كل إنسان له حافظان ملكان اثنان ; واحد من بين يديه ، وآخر من خلفه يحفظانه من أمر الله بأمر الله عز وجل ، وملكان كاتبان ; عن يمينه وعن شماله ; وكاتب اليمين أمير على كاتب الشمال يكتب حسناته ، وكاتب الشمال يكتب سيئاته ، فأراد صاحب الشمال أن يكتبها ، قال له صاحب اليمين : أمهله لعله أن يتوب أو يستغفر . وإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين من غير توقف ولا استئمار من صاحب الشمال . كما ذكرنا ذلك عند قوله تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ ق : 17 - 18 ] .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا [ ص: 119 ] سفيان ، حدثنا منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبيه ، عن عبد الله هو ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة . قالوا : وإياك يا رسول الله قال : وإياي ، ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير . انفرد بإخراجه مسلم من حديث منصور به . فيحتمل أن هذا القرين من الملائكة غير القرين بحفظ الإنسان ، وإنما هو موكل به ليهديه ، ويرشده بإذن ربه إلى سبيل الخير ، وطريق الرشاد كما أنه قد وكل به القرين من الشياطين لا يألوه جهدا في الخبال والإضلال ، والمعصوم من عصمه الله عز وجل ، وبالله المستعان .

وقال البخاري : حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثنا ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، والأغر ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فإذا جلس الإمام طووا الصحف ، وجاءوا يستمعون الذكر . وهكذا رواه منفردا به من هذا الوجه ، وهو في الصحيحين من وجه آخر ، وقد قال الله تعالى : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [ الإسراء : 78 ] . وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . قال : تشهده [ ص: 120 ] ملائكة الليل ، وملائكة النهار . ورواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث أسباط . وقال الترمذي : حسن صحيح قلت : وهو منقطع .

وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر . يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . وقال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح . تابعه شعبة ، وأبو حمزة ، وابن داود ، وأبو معاوية ، عن الأعمش . وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . وفي صحيح البخاري : حدثنا إسماعيل بلفظ : إذا قال الإمام : آمين فإن الملائكة تقول في السماء آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من [ ص: 121 ] ذنبه . وفي صحيح البخاري : حدثنا إسماعيل حدثني مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد ، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أو عن أبي سعيد هو شك يعني الأعمش قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس ، فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى بغيتكم . فيجيئون فيحفون بهم إلى السماء الدنيا فيقول الله : أي شيء تركتم عبادي يصنعون ؟ فيقولون : تركناهم يحمدونك ، ويمجدونك ، ويذكرونك . فيقول : وهل رأوني ؟ فيقولون لا . فيقول : فكيف لو رأوني ؟ فيقولون : لو رأوك لكانوا أشد تحميدا ، وتمجيدا ، وذكرا . قال : فيقول : فأي شيء يطلبون ؟ فيقولون : يطلبون الجنة . فيقول : وهل رأوها ؟ فيقولون : لا . فيقول : [ ص: 122 ] وكيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا ، وأشد لها طلبا . قال : فيقول : من أي يتعوذون ؟ فيقولون : من النار . فيقول : وهل رأوها . فيقولون : لا . فيقول : فكيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها كانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا . قال : فيقول : أشهدكم أني قد غفرت لهم . قال : فيقولون : إن فيهم فلانا الخطاء ، لم يردهم إنما جاء لحاجة . فيقول : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم .

وهكذا رواه البخاري ، عن قتيبة ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش به . وقال : رواه شعبة ، عن الأعمش ، ولم يرفعه ، ورفعه سهيل ، عن أبيه ، وقد رواه أحمد ، عن عفان ، عن وهيب ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه كما ذكره البخاري معلقا عن سهيل . ورواه مسلم ، عن محمد بن حاتم ، عن بهز بن أسد ، عن وهيب به . وقد رواه الإمام أحمد أيضا عن غندر ، عن شعبة ، عن سليمان هو الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، ولم يرفعه نحوه كما أشار إليه البخاري رحمه الله .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، وابن نمير [ ص: 123 ] أخبرنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ، ستره الله في الدنيا والآخرة ، ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه ، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما ، سهل الله له به طريقا إلى الجنة ، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه . وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر أبي مسلم ، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما اجتمع قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة ، وتغشتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده . وكذا رواه أيضا من حديث إسرائيل ، وسفيان الثوري ، وشعبة ، عن أبي إسحاق به نحوه . ورواه مسلم من حديث شعبة . والترمذي من حديث الثوري ، وقال : حسن صحيح . ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يحيى بن آدم ، عن عمار بن رزيق ، عن أبي إسحاق بإسناده [ ص: 124 ] نحوه . وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة .

وفي مسند الإمام أحمد ، والسنن ، عن أبي الدرداء مرفوعا : وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ; رضا بما يصنع . أي : تتواضع له كما قال تعالى : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة [ الإسراء : 24 ] . وقال تعالى : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [ الشعراء : 215 ] . وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام . وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري ، وسليمان الأعمش ، كلاهما عن عبد الله بن السائب به . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلقت الملائكة من نور ، وخلقت الجان [ ص: 125 ] من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم . ورواه مسلم ، عن محمد بن رافع ، وعبد بن حميد ، كلاهما عن عبد الرزاق به .

وكذلك الحديث الذي روي أن للملك لمة بقلب العبد ، وللشيطان لمة بقلبه فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالفقر وفي رواية : بالشر ، وتكذيب بالحق . وكذلك الحديث الذي روي : إذا أصبح العبد ابتدره الشيطان والملك . فيقول الملك : افتح بخير . ويقول الشيطان : افتح بشر . فإذا ذكر الله وحمده ، تولاه الملك ، وطرد عنه الشيطان إلى الليل . فإذا جاء الليل قال الملك : اختم بخير ، ويقول الشيطان : اختم بشر . فإن ختم نهاره بخير ، تولاه الملك حتى يصبح . وطرد عنه الشيطان . وكذلك إذا خرج العبد من منزله فقال : بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال له الملك : هديت وكفيت ووقيت . ثم يتنحى عنه الشيطان . إلى آخره . والأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدا . وقد ذكرنا ما يسره الله تعالى وله الحمد .

السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة