الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            وكذا الوشم ، وهو غرز الجلد بالإبرة حتى يخرج [ ص: 23 ] الدم ثم يذر نحو نيلة ليزرق به أو يخضر ففيه تفصيل الجبر خلافا لمن قال : إن بابه أوسع ، فعلم من ذلك أن من فعل الوشم برضاه في حالة تكليفه ولم يخف من إزالته ضررا يبيح التيمم منع ارتفاع الحدث عن محله لتنجسه ، وإلا عذر في بقائه وعفي عنه بالنسبة له ولغيره وصحت طهارته ، وإمامته وحيث لم يعذر فيه ولا في ماء قليلا أو مائعا أو رطبا نجسه كذا أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ( وإلا ) أي بأن وصله به مع وجود صالح طاهر أو مع عدم الحاجة أصلا حرم عليه للتعدي و ( وجب ) عليه ( نزعه ) ويجبر على ذلك ( إن لم يخف ضررا ظاهرا ) يبيح التيمم ، وإن اكتسى لحما كما لو حمل نجاسة تعدى بحملها مع تمكنه من إزالتها ، وكوصل المرأة شعرها بشعر نجس ، فإن امتنع لزم الحاكم نزعه لدخول النيابة فيه كرد المغصوب ، ولا اعتبار بألمه حالا إن أمن مآلا ، ولا تصح صلاته حينئذ [ ص: 24 ] لحمله نجاسة في غير معدنها مع تمكنه من إزالتها ، بخلاف ما لو شرب خمرا وطهر فمه حيث صحت صلاته ، وإن لم يتقيأ ما شربه متعديا لحصوله في معدتها ، فإن خاف ذلك ولو نحو شين أو بطء برء لم يلزمه نزعه لعذره بل يحرم كما في الأنوار وتصح صلاته معه بلا إعادة ( قيل ) يجب نزعه أيضا ( وإن خاف ) ضررا ظاهرا لتعديه ، إذ لو لم ينزعه لكان مصليا في عمره كله بنجاسة فرط بحملها ونحن نقتله بصلاة واحدة والأصح لا ( فإن مات ) من وجب عليه النزع قبله ( لم ينزع على الصحيح ) لهتك حرمته ولسقوط التعبد عنه ، ويحرم نزعه كما في البيان عن عامة الأصحاب ، وصرح به الماوردي والروياني مع التعليل بالعلة الثانية ، والثاني ينزع لئلا يلقى الله تعالى حاملا نجاسة تعدى بحملها ، ولا يرد عليه ما صرح به أهل السنة من أن المعاد للميت أجزاؤه الأصلية كما كانت ، وإن احترقت ; لأن المراد بلقائه نزوله القبر فإنه في معنى لقاء الله إذ هو أول منزل من الآخرة ، وقيل إن المعاد من أجزائه ما مات عليها ، والأولى تعليله بوجوب غسل الميت طلبا للطهارة لئلا يبقى عليه نجاسة ، وهذا نجس فتجب إزالته .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : وكذا الوشم ) أي حكمه حكم الجبر بالنجس في تفصيله المذكور . قال في الذخائر في العظم : قال بعض أصحابنا : هذا الكلام فيه إذا فعله بنفسه أو فعل به باختياره ، فإن فعل به مكرها لم تلزمه إزالته قولا واحدا . قلت : وفي معناه الصبي إذا وشمته أمه بغير اختياره فبلغ . وأما الكافر إذا وشم [ ص: 23 ] نفسه في الشرك ثم أسلم فالمتجه وجوب الكشط عليه بعد الإسلام لتعديه ; ولأنه كان عاصيا بالفعل بخلاف المكره والصبي ، ولو وشم باختياره ، وهو كافر ثم أسلم فالظاهر وجوبه لتعديه إذ هو مكلف انتهى فليحرر سم على منهج .

                                                                                                                            [ حادثة ] وقع السؤال عنها بما صورته : ما قولكم في كي يتعاطونه بدمشق الشام يسمونه بكي الحمصة . وكيفيته أن يكوى موضع الألم ثم يعفن مدة بمخ الغنم ثم يجعل فيه حمصة توضع فيه يوما وليلة ثم تلقى منه وقد عظمت البلية بهذه المسألة ، فإذا حكم الصلاة فيها هل تكون كاللصوق والمرهم فلا تجب الإعادة للصلاة زمن مكثها في المحل المكوي أو لا ؟ أفيدوا الجواب . وأقول : يجاب عنه قياسا على ما صرحوا به من أن خياطة الجرح ومداواته بالنجاسة كالجبر : أي في أنه إن لم يقم غير ما دهنه به من النجس مقامه عفي عنه ولا ينجس ما أصابه وتصح الصلاة معه ، إن ما ذكر في الحمصة مثله فإن قام غيرها مقامها في مداواة الجرح لم يعف عنها فلا تصح الصلاة مع حملها ، وإن لم يقم غيرها مقامها صحت الصلاة ولا يضر انتفاخها وعظمها في المحل ما دامت الحاجة قائمة ، وبعد انتهاء الحاجة يجب نزعها ، فإن تركه بلا عذر ضر ولا تصح صلاته ، فقد صرح الشارح هنا بأنه حيث عذر في الوشم لا يضر في صحة صلاته ، ولا في غيرها وجود النجاسة مع حصولها بفعله لا في حقه ولا في حق غيره مع أن أثر الوشم يدوم أو تطول مدته إلى حد يزيد على ما يحصل لمن يفعل الحمصة المذكورة ولا يضر إخراجها وعود بدلها كما لا يضر تغيير اللصوق المحتاج إليه ، وإن بقي أثر النجاسة من الأول . ( قوله : خلافا لمن قال إن بابه ) أي الوشم ( قوله : في حالة تكليفه ) أي بلا حاجة له ( قوله : وإلا عذر في بقائه ) أي بأن فعل به قبل تكليفه أو فعله بعده وخاف من إزالته ضررا يبيح إلخ ، أو فعل به بعد تكليفه بغير رضا منه .

                                                                                                                            هذا وفي حج ما نصه : عطفا على ما يكلف إزالته وفي الوشم ، وإن فعل به صغيرا على الأوجه وتوهم فرق إنما يتأتى من حيث الإثم وعدمه ، فمتى أمكنه إزالته من غير مشقة فيما لم يتعد به ، وخوف مبيح تيمم فيما تعدى به نظير ما مر في الوصل لزمته ولم تصح صلاته ، وتقدم أيضا عن سم على منهج قريبا خلافه .

                                                                                                                            ( قوله : وعفي عنه ) وهل من الوشم الذي لا تعدي به ما لو جهل تحريمه ، وكان ممن يخفى عليه ذلك ؟ لا يبعد نعم وفاقا لم ر ، ومشى أيضا على أنه لو جبر بعظم نجس حيث يجوز ولم يستتر باللحم لا تلزمه الإعادة ولا ينجس ماء طهارته ونحوها إذا مر عليه قبل استتاره باللحم ولا الرطب إذا لاقاه انتهى سم على منهج ( قوله : مع وجود صالح ) أي أو بمغلظ مع وجود نجس صالح غيره ( قوله : إن لم يخف ضررا ظاهرا ) ينبغي أن يكون موضعه إذا كان المقلوع منه ممن يجب عليه الصلاة ، فإن كان ممن لا يجب عليه الصلاة كما لو وصله ثم جن فلا يجبر على قلعه إلا إذا أفاق أو حاضت لم يجبر إلا بعد الطهر ، ويشهد لذلك ما سيأتي في عدم النزع إذا مات لعدم تكليفه انتهى حاشية الرملي على شرح الروض أي ومع ذلك فينبغي أنه إذا لاقى مانعا أو ماء قليلا نجسه ; لأنه إنما سقط وجوب النزع لعدم مخاطبته بالصلاة .

                                                                                                                            هذا ولو قيل بوجوب النزع على وليه لم يكن بعيدا ; لأنه منزل منزلته فيجب عليه مراعاة الأصلح في حقه ، [ ص: 24 ] ويفرق بينه وبين ما لو مات بأن في نزعه من الميت هتكا لحرمته ، بخلاف المجنون فإن فيه مصلحة له ، وهي دفع النجاسة عنه وعن غيره ، وقد يتوقف أيضا في عدم وجوب النزع عن الحائض ; لأن العلة في وجوب النزع حمله لنجاسة تعدى بها ، وإن لم تصح منه الصلاة لمانع من وجوبها قام به ( قوله : وإن لم يتقيأ ) في المختار قاء من باب باع واستقاء بالمد وتقيأ : تكلف القيء انتهى .

                                                                                                                            ومثله في القاموس والمصباح ، وليس في واحد من الثلاثة تقيأ بهذا اللفظ الذي ذكره الشارح . قال الشيخ عميرة : ولو وصل جوفه محرم نجس أو غيره ولو مكرها وجب عليه أن يتقيأه . ( قوله : فإن خاف ذلك ) أي ضررا ظاهرا ( قوله : ولو نحو شين ) ظاهره ولو كان في عضو باطن ( قوله : لم يلزمه نزعه ) وقد يفرق بين هذا وما مر من عدم جواز استعمال النجس حيث كان أسرع انجبارا بأن ما هنا دوام ويغتفر فيه ما لا يغتفر في الابتداء ، وهل يتعدى حكمه إلى غيره فلا يحكم بنجاسة يد من مسه مع الرطوبة . قال سم على حج : فيه نظر . وقد يؤيد عدم تعديه أن من الظاهر أنه لو مس مع الرطوبة نجاسة معفوة على غيره تنجس . وقد يفرق بأن الاحتياج إلى البقاء هنا أتم ، بل هنا قد تتعذر الإزالة أو تمتنع فليتأمل انتهى .

                                                                                                                            وقضية قول الشارح فيما مر وعفي عنه بالنسبة له ولغيره أن غيره مثله ( قوله : والأصح لا ) مقابل قوله قبل ، وإن خاف ، والفرق بينه وبين ما قاس عليه أنه يعد متهاونا بالدين حيث ترك الصلاة بلا عذر ، بخلافه هنا حيث كان بقاؤه لمحذور التيمم ( قوله : عن عامة الأصحاب ) وقضية عدم الوجوب صحة غسله ، وإن لم يستتر العظم النجس باللحم ، مع أنه في حال الحياة لا يصح غسله في هذه الحالة لعدم صحة الغسل مع قيام النجاسة فكأنهم اغتفروا ذلك لضرورة هتك حرمته . انتهى سم على منهج . ( قوله : بالعلة الثانية ) هي قوله : ولسقوط إلخ ( قوله : لئلا يلقى الله ) أي ملائكته في القبر ( قوله : ولا يرد عليه ) أي الثاني ( قوله : والأولى تعليله ) أي القول الثاني .




                                                                                                                            الخدمات العلمية