الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر وثوب السودان بالمدينة

وفيها ثار السودان على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب منهم .

وسبب ذلك أن المنصور استعمل عبد الله بن الربيع على المدينة ، وقدمها لخمس بقين من شوال ، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم ، فشكا ذلك التجار إلى ابن الربيع ، فانتهرهم وشتمهم ، فتزايد طمع الجند فيهم ، فعدوا على رجل صيرفي فنازعوه كيسه ، فاستعان بالناس فخلص ماله منهم ، وشكا أهل المدينة ذلك منهم ، فلم ينكره ابن الربيع .

ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما يوم جمعة ، ولم يعطه ثمنه ، وشهر عليه السيف ، فضربه الجزار بشفرة في خاصرته فقتله ، واجتمع الجزارون ، وتنادى السودان على الجند ، وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد ، ونفخوا في بوق لهم ، فسمعه السودان من العالية والسافلة فأقبلوا واجتمعوا ، وكان رؤساؤهم ثلاثة نفر : وثيق ، ويعقل ، وزمعة ، ولم يزالوا على ذلك من قتل الجند حتى أمسوا .

فلما كان الغد قصدوا ابن الربيع فهرب منهم وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به ، فانتهبوا طعاما للمنصور وزيتا وقسبا فباعوا حمل الدقيق بدرهمين ، وراوية الزيت بأربعة دراهم .

وسار سليمان بن مليح ذلك اليوم إلى المنصور فأخبره .

وكان أبو بكر بن أبي سبرة في الحبس قد أخذ مع محمد بن عبد الله فضرب [ ص: 132 ] وحبس مقيدا ، فلما كان من السودان ما كان خرج في حديده من الحبس فأتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران ، ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما ، فأحضرهم عنده فقال : أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت ! فوالله إن ثبتت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى ، إنه لهلاك البلد وأهله والعبيد في السوق بأجمعهم ، فاذهبوا إليهم فكلموهم .

فقالوا : مرحبا بموالينا ، والله ما قمنا إلا أنفة مما عمل بكم ، فأمرنا إليكم ، فأقبلوا بهم إلى المسجد ، فخطبهم ابن أبي سبرة وحثهم على الطاعة ، فتراجعوا .

ولم يصل الناس يومئذ جمعة ، فلما كان وقت العشاء الآخرة لم يجب المؤذن أحد إلى الصلاة بهم ، فقدم الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان ، فلما وقف للصلاة واستوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته : أنا فلان بن فلان أصلي بالناس على طاعة أمير المؤمنين ، يقول ذلك مرتين وثلاثا .

ثم تقدم فصلى بهم ، فلما كان الغد قال لهم ابن أبي سبرة : إنكم قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم ونهبتم طعام أمير المؤمنين ، فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا رده ، فردوه ، ورجع ابن الربيع من بطن نخل فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية