كنت متميزة والآن يلازمني شعور بعدم القدرة على الحفظ

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبلغ من العمر 35 سنة، وكنت -ولله الفضل والحمد- متفوقة في دراستي، سواء في المواد العلمية أو الأدبية، إلا أنه عندما كنت في امتحانات الثانوية العامة أصابتني حالة غريبة -والله أعلم، ربما كانت حسدا- أثرت في، إذ كنت إذا بدأت المذاكرة ينقطع نفسي ولا أستطيع الاستمرار، مع أنني كنت أذاكر بطريقة التكرار والترديد، وكنت -بفضل الله- أستطيع الفهم والحفظ بسهولة، والحمد لله حصلت على مجموع أهلني لدراسة اللغات والترجمة.

لكنني عانيت كثيرا في الدراسة الجامعية، فالمواد التي تحتاج إلى حفظ كنت أجد نفسي عاجزة عنها، ويحدثني شيء في داخلي أنني لا أستطيع الحفظ، فأبذل وقتا طويلا لأجل ذلك، ولكن ليس بنفس الكفاءة.

والآن أنا أدرس ماجستير إدارة أعمال، و-لله الحمد-، فأجد المواد مثل المحاسبة أو تلك التي تعتمد على الفهم والعمليات الحسابية سهلة الفهم والتطبيق، لكن في المواد التي تحتاج إلى حفظ ينتابني شعور بالقلق، وأقول في نفسي إنني لن أستطيع الحفظ، فأقضي وقتا طويلا في درس يسير، وفي النهاية لا أحفظه جيدا، ويصيبني تشتت وعدم قدرة على استرجاع المعلومة.

أنا أريد الاجتهاد، وأتمنى أن أكون كما كنت سابقا، ومع ذلك فإنني أرغب في إكمال الدكتوراه، لكن يلازمني شعور داخلي بأنني غير قادرة على الحفظ، إذ أقوم بتكرار الدرس دون وعي أو إدراك للمفهوم.

أريد علاجا لا يترتب عليه أضرار، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إيمان .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من فجوة بين قدراتك العقلية المتميزة في الفهم والتحليل، وبين قدرتك الحالية على الحفظ والاسترجاع، وهذا التحدي بدأ معك منذ مرحلة الثانوية العامة وصاحبه أعراض جسدية كضيق التنفس؛ مما ولد لديك اعتقادا داخليا بعدم القدرة على الحفظ، رغم طموحك العالي لإكمال مسيرتك العلمية.

إن استمرارك في ترديد عبارة (أنا لا أستطيع الحفظ) أو سماع هذا النداء الداخلي؛ هو نوع من البرمجة السلبية للذات، هذا الشعور بالقلق يفرز هرمونات تؤثر مباشرة على الحصين (وهو الجزء المسؤول عن الذاكرة في الدماغ)؛ مما يجعل المعلومة لا تستقر، ليس لنقص في ذكائك، بل لأن القلق يغلق أبواب الاستيعاب.

أنت الآن في مرحلة الماجستير، وتطمحين للدكتوراه، وفي هذه المرحلة يتطور العقل من الحفظ الآلي (التكرار والترديد) إلى التعلم العميق القائم على الروابط المنطقية، ولأنك متميزة في المواد الحسابية والمنطقية، فإن عقلك أصبح يرفض التكرار الممل، ويبحث عن المعنى، وهذا في الحقيقة علامة نضج عقلي وليس قصورا.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:
أولا: بما أنك شعرت أن الأمر بدأ كحالة حسد، فإن الإسلام شرع لنا العلاج بالرقية الشرعية، والمداومة على أذكار الصباح والمساء، وعليك باليقين أن النفع والضر بيد الله، وأن العين حق، ولكن الله خير حافظ، ولذلك حافظي على سورة البقرة في بيتك، واقرئي المعوذات مع النفث على صدرك عند الشعور بضيق التنفس، ويقول الله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء: 82].

ثانيا: بما أن التكرار والترديد لم يعد ينفعك، فتوقفي عنه فورا، ثم استخدمي قوة الفهم لديك في الحفظ، كما أن الخرائط الذهنية أو ربط المعلومات بقصص منطقية أو تشبيهات من واقع تخصصك في إدارة الأعمال، تعد أداة فعالة لتنظيم المعلومات والأفكار، إذ إن العقل الذي يحب المحاسبة يحب الترتيب والتبويب، ولذلك اجعلي حفظك للمواد النظرية مبوبا كالجداول المالية.

ثالثا: عندما يبدأ ضيق التنفس، لا تقاومي المذاكرة، بل توقفي وخذي نفسا عميقا (وهو شهيق من الأنف في 4 ثوان، حبس النفس لثانيتين، زفير من الفم في 6 ثوان)، هذا سيخبر جهازك العصبي أنك في أمان؛ مما يقلل من تشتت الانتباه.

رابعا: استبدلي نداء (أنا لا أستطيع) بقولك: (أنا أتعلم بطريقة مختلفة، وعقلي قادر على استيعاب ما يفهم) إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته أمر لا بد منه، وكان من دعاء النبي ﷺ: اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما.

تذكري أختي الكريمة أن الصبر على طلب العلم من أعظم القربات، وأن لكل مرحلة أدواتها، وكما قال الشاعر في الحث على الجد والاجتهاد وتجاوز العقبات:
بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى سهر الليالي
ومن رام العلى من غير كد ... أضاع العمر في طلب المحال

وقول الشاعر الآخر تأكيدا على أن لكل مرحلة أدواتها وصبرها:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، ويفتح عليك فتوح العارفين في دراستك وعملك.

مواد ذات صلة

الاستشارات