يتسلل الرياء إلى نفسي وأنا أقرأ القرآن، فكيف أدفعه؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا في الوقت الحالي أحاول جاهدا أن أواظب على قراءة القرآن الكريم والالتزام به، فأقرأ في المواصلات وفي العمل قدر الاستطاعة، وأحرص على أن تكون قراءتي بترتيل مسموع بصوت خافت، بحيث أسمع نفسي وأنا أقرأ.

غير أن المشكلة التي تواجهني هي تسلل الرياء أثناء القراءة؛ إذ ينشغل عقلي أحيانا بأن أحدا قد يسمعني فيتعجب، فيضعف تركيزي ويضيع خشوعي. وأحيانا يوسوس لي الشيطان بأن الناس ينظرون إلي، فيدعوني إلى ترك القراءة والاكتفاء بها في الخلوة، وفي الوقت نفسه أشعر بشيء من الفرح حين يلحظ الآخرون أنني أقرأ.

أبحث عن حل يعينني على دفع هذا الرياء عن نفسي، حتى أتمكن من المحافظة على القراءة بصفاء قلب وخلوص نية.

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فما كتبته لا يصدر عن قلب متلاعب، ولا عن نفس تطلب السمعة، بل عن قلب حي يخاف على إخلاصه، ويتألم حين يشعر أن صفاءه قد اختل، ولو لم يكن فيك خير، لما ضايقك هذا الخاطر، ولا أقلقك هذا الشعور، ولا أزعجك أن يراك الله تعالى على غير ما تحب، فاهدأ أولا، واطمئن؛ فإن الله تعالى أرحم بك من أن يحاسبك على ما تكرهه في نفسك.

أخي الكريم: قراءة القرآن في زحمة الحياة، وفي المواصلات وأوقات العمل، ليست سلوكا عابرا، بل مجاهدة صادقة، وقدر من الإخلاص لا يوفق له إلا من أراد الله تعالى به خيرا، وما تشعر به من تسلل خواطر الرياء أثناء القراءة لا يعني أنك تقرأ لأجل الناس، بل يعني أنك تقرأ لله تعالى، ثم جاءك ما يكدر صفاء العمل، وهذا فرق عظيم يجب أن يحسم منذ البداية.

وأريدك هنا أن تفهم قاعدة مهمة:
الرياء أن يبدأ العمل لأجل الناس، أو يستمر فيه طلبا لمدحهم، أما أن تقرأ لله تعالى، ثم يمر في قلبك خاطر: لعل أحدا يسمعني، أو تشعر بفرح عابر بأن الناس تراك على طاعة، فهذا ليس رياء مؤاخذا، بل هو ابتلاء نفسي معروف، وقد ابتلي به الصالحون من قبلنا، والأولى فيه المجاهدة وعدم الاسترسال، وقد قال النبي ﷺ: إن الله تجاوز عن أمتي ما ‌حدثت ‌به ‌أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، فالخواطر التي لا تتحول إلى قصد ولا عمل لا تفسد عبادة، ولا تسقط أجرا.

واعلم – رعاك الله – أن الشيطان في هذا الباب له مكر خفي؛ يأتيك أولا ليقول: الناس يسمعونك، ثم يقول: دع القراءة حتى تكون وحدك، فإن استجبت له، خرجت من طاعة قراءة القرآن، وحقق مراده، ولهذا قال أهل العلم: "ترك العمل الصالح خوفا من الرياء من تلبيس إبليس".

وأما شعورك بالفرح حين يراك الناس تقرأ، فليس كل فرح رياء؛ فالفرح بالطاعة طبيعي، وحب أن يرى الخير في الناس فطرة، والمذموم فقط أن يكون الناس هم الغاية، لا وجه الله تعالى، وهذا مرده إلى نيتك وإخلاصك، فجاهد نفسك على ذلك، ولا تدع للشيطان سبيلا أن ينال من إخلاصك ومقصدك، فيحبط عليك قراءتك، ويذهب أجرك.

ثم إن الحل ليس في قطع القراءة، ولا في مراقبة النفس مراقبة مرهقة، بل في إصلاح هادئ واقعي، أضعه لك في نقاط واضحة:

أولا: إذا جاءك الخاطر، فلا تناقشه، ولا تتوقف بسببه، أكمل القراءة؛ فالإخلاص يبنى بالاستمرار، لا بالتردد.
ثانيا: جدد نيتك بكلمة يسيرة في قلبك دون قطع: اللهم هذا لك، واصدق الله تعالى في طلب ذلك، يكن الرحمن عونا لك على نفسك ونيتك.
ثالثا: لا تغير سلوكك لأجل الناس؛ لا تخفض صوتك فجأة، ولا تؤجل القراءة، ولا تتركها؛ لأن ذلك استجابة للوسوسة لا علاج لها.
رابعا: استعمل الدواء النبوي عند الخوف من الشرك الخفي: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، ثم امض في طريقك.
خامسا: ذكر نفسك بأجر التلاوة، لا بنظرة الناس؛ فالنبي ﷺ يقول: من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وقال تعالى: ﴿إن الذين ‌يتلون ‌كتاب ‌الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور﴾، فأي خسارة أعظم من أن تترك هذه التجارة لأجل خاطر عابر؟

وأختم لك بهذه الحقيقة التي أريدك أن تحفظها جيدا: الإخلاص ليس أن تخلو من الخواطر، بل أن لا تترك الطاعة بسببها، ومن قرأ القرآن، وجاهد نفسه، وخاف على قلبه، فهو على خير عظيم، ولو شعر بالتقصير.

فاقرأ القرآن واتله آناء الليل وأطراف النهار، وثابر، ودع الحساب لله، فهو أعلم بالنيات وأرحم بالعباد، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ‌سبلنا ‌وإن الله لمع المحسنين﴾.

وفقك الله للثبات، وجعل القرآن أنسك ونورك، ورزقك إخلاصا يطمئن له قلبك.

مواد ذات صلة

الاستشارات