السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عندي سؤال: أنا متزوجة بعقد شرعي، وحاليا في مرحلة تأثيث البيت وتجهيزات الزواج، زوجي ظروفه المادية لا تسمح باقتناء كل شيء، لذلك تنازلت عن العديد من الأشياء، وطلبت منه فقط حرية اختيار "غرفة المعيشة" ولم أطلب شيئا فوق قدراته، لكنه ذهب واشترى الأثاث بنفسه دون أن يخبرني.
عندما اكتشفت ذلك حزنت كثيرا؛ لأنني كنت ملحة في هذا الأمر، فقد أردت شيئا يعجبني لا غير. فكان رده لاحقا: "أن أثاث البيت في الأصل ليس واجبا عليه، وأن الواجب هو المسكن والملبس والمشرب والكسوة فقط، وأنه بفضل منه يوفر شيئا من الأثاث، وإن لم يرد توفيره فله ذلك".
السؤال: هل توفير المسكن (شرعا) يشمل توفير الأثاث أم لا؟ علما بأنني غير قادرة على توفيره بنفسي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يقدر لكم الخير، وأن يصلح الأحوال، وأن يؤلف القلوب، وأن يعينكم على طاعته، إنه الكريم المتعال.
بداية نحب أن نؤكد أن ما بين الزوج والزوجة أكبر من الأثاث، وأكبر من الأمور المادية، فأنتم ترتبطون بميثاق غليظ كما سمته الشريعة، والأمر في هذا يحتاج إلى مراعاة لكثير من الجوانب، وأنت أيضا تشكرين بتقديرك لظروف هذا الزوج، وأرجو ألا تقفي عند الأشياء الصغيرة.
طبعا كان من الأكمل والأجمل أن يشاورك، وأن تتفقوا على اختيار الأشياء المناسبة، وأيضا هذه الأمور التفاهم فيها هو سيد الموقف، ونتمنى أن يتفادى مثل هذا التصرف في المستقبل.
أما مسألة الأثاث وتجهيز البيت، فهذه الحكم فيها للأعراف؛ فإذا كان أهلكم في هذه البلاد يقوم الزوج ببعض التجهيزات؛ فإنه يلزمه القيام بها، الفقه يراعي الأعراف السائدة، ودائما يريد للمرأة أن تعيش كمثلها من النساء في بلدها، في بيئتها، في الظروف التي هي فيها.
ولا أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتجادل: واجب على من؟ أو واجب على هذا؟ لكن كل ما لا تستقيم الحياة إلا به يجب على الزوج أن يوفره، ويجب أن يهيئه لزوجته، والمعيار في ذلك أنه يرتبط بظروف البلد، وعادات البلد، وتقاليد البلد، طالما كانت هذه العادات لا تصادم الشرع، ففي البلد الذي يلزم فيه بأن تجهز أشياء معينة كل الناس عليه أن يلتزم؛ لأن الزوجة لا يمكن أن تكون سعيدة وهي تشعر أنها أقل من جاراتها، وأقل من بنات بلدها في هذه الأشياء.
ونشكر لك أيضا الاهتمام بظروف الزوج وتقدير هذا الظرف، ونحن نريد أن نقول: عندما يوجد الحب والتفاهم، عندما يوجد الإيمان والخير، ينسى الناس مثل هذه الأمور الصغيرة، وليس معنى هذا أننا نريد للرجل أن يقصر في إكرام أهله، في توفير الأشياء التي يحتاجونها، ولكن أريد ألا تكون هذه القضية سببا للتوتر في داخل البيت، وفي إنشاء الأسرة، والله -تبارك وتعالى- وعد المتزوج بقوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}، و"طعام الاثنين يكفي الأربعة"، وتتبدل هذه الظروف بالرضا بقضاء الله وقدره، ثم ببذل الأسباب، فالله -تبارك وتعالى- هو الرزاق، وهو الذي يقول: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ۖ وإليه النشور}.
وليس عيبا في الزوج أن يكون قليل ذات اليد، لكن العيب أن يتبطل، يترك العمل، يترك السعي؛ فالإنسان يفعل الأسباب ثم يتوكل على الكريم الوهاب سبحانه وتعالى.
فنحن نريد أن نقول لزوجك ولك: يوفر ما يوفره أهل بلدك، ما اعتاده الناس، ما يقوم به كل رجل بحسب استطاعته، وهذا من قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}.
وأكرر دعوتي إلى أن تترفعوا فوق هذه الأمور، فالزوج عليه أن يبالغ في إكرام زوجته، وعليه أن يدرك أن أفضل درهم هو الدرهم الذي يقدمه الإنسان لزوجه، وهو أفضل عن كل الدراهم التي يبذلها، وإذا ساعدت المرأة زوجها، فهذا من حسن معاشرتها، لكن لا يجب عليها أن تبذل من أموالها، بل الإنفاق على الرجل، وبه ينال درجة القوامة، وبه يستحق هذا، لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}؛ {بما فضل الله بعضهم علىٰ بعض} مؤهلات فطرية، ثم قال: {وبما أنفقوا من أموالهم}.
فنسأل الله أن يعينكم على الخير، ويعينك على تفهم هذا الوضع، ونسأل الله أن يصب عليكم الخير صبا، وأن يبدل أحوالكم إلى غنى وخير وتفاهم ومحبة، واعلموا أن التعاون على الطاعة سبب الخيرات، قال العظيم: {وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.