السؤال
تزوجت منذ 17 عاما، من رجل على أساس أنه ملتزم، وبعد الزواج اكتشفت أنه مريض نفسي (اضطراب وجداني ثنائي القطب)؛ ولأني من أسرة فقيرة أكملت وصبرت، وبعد أن كان يعمل لم يعد يعمل، فبدأت أعمل لأساعد في أمور المعيشة.
الآن معي ثلاثة أطفال، أكبرهم في المرحلة الثانوية، أشعر أني وحيدة؛ أنا التي أنفق، وأنا التي أربي، وأتحمل مسؤولية كان من المفروض أن يتحملها الزوج، هو يحبني جدا ومشاعره ظاهرة للجميع، ولكني لا أحبه، أعيش فقط من أجل أولادي.
أشعر بحمل الجبال يقع على عاتقي، دائما ما يسألني: هل أحبه؟ لا أستطيع أن أزيف مشاعري؛ تارة أسكت وتارة أجيب بالنفي، فهل علي وزر إن جرحت مشاعره؟
هو طيب جدا، ولكن ظروف مرضه النفسي جعلتني لا أتقبله؛ لأنه في كل فترة بشخصية مختلفة، فتارة ملتزم جدا، وتارة منفتح، وتارة هادئ، وتارة عصبي، لم أعد أعرف أي الشخصيات شخصيته الحقيقية! لدرجة أني كرهت مظهر الالتزام، لأنه لا يكون كذلك إلا في نوبات مرضه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يعينك على ما تحملت، وأن يكتب أجرك فيه، وبخصوص ما ذكرته؛ فالأمر يحتاج إلى نظر متوازن، يجمع بين الحكم الشرعي، وفهم الواقع الذي تعيشينه، لذا دعينا نجيبك من خلال ما يلي:
1- لا شك أن ما مررت به خلال هذه السنوات، من تحمل النفقة، وتربية الأبناء، والصبر على مرض الزوج، أمر كبير عند الله، فالشريعة تعتبر القيام على الأسرة ورعاية الأبناء والصبر على البلاء من أعظم القربات، وما قمت به ليس أمرا يسيرا، بل هو جهاد يومي في الحياة، والله سبحانه يعلم ما في قلبك من تعب، وسيكتب لك الأجر على صبرك، وأجرك عند الله لا يضيع.
2- من المهم في مثل هذه الأحوال، أن نتذكر حقيقة كبرى يقررها القرآن، وهي أن الدنيا لم تخلق دار راحة كاملة، ولا استقرارا دائما، بل جعلها الله دار ابتلاء واختبار، قال سبحانه: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ والأصل في هذه الحياة أن تتنوع فيها صور البلاء بين الناس، فمن الناس من يبتلى بمرض عضال لا يجد له دواء، ومنهم من يبتلى بفقد الأحبة، ومنهم من يبتلى بضيق الرزق، ومنهم من يبتلى باضطراب الأسرة أو ثقل المسؤوليات، وآخرون يبتلون بأمراض نفسية أو جسدية تستمر معهم أعواما طويلة، وكل ذلك داخل في سنة الابتلاء التي جعلها الله ميدانا لظهور الصبر والإيمان.
ومن أعظم ما يطمئن القلب: أن يتذكر الإنسان أن البلاء ليس علامة غضب من الله، بل قد يكون علامة عناية واختيار، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، وقال أيضا: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فالمؤمن حين يتأمل هذه المعاني يدرك أن البلاء باب من أبواب القرب من الله، لا مجرد معاناة دنيوية، وأن للصبر عليه ثمرات عظيمة.
فمن فوائد الصبر على البلاء أنه يكفر الذنوب ويرفع الدرجات، ويطهر القلب من التعلق الزائد بالدنيا، ويعلم الإنسان قوة الاحتمال والرضا، ويجعله أقرب إلى الله بالدعاء والافتقار، كما أنه يورث صاحبه سكينة عميقة، حين يعلم أن كل لحظة صبر يكتبها الله له في ميزان حسناته، وقد وعد الله الصابرين وعدا عظيما فقال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾، ولذلك كان السلف يرون أن البلاء إذا قوبل بالصبر والاحتساب تحول من محنة إلى منحة، ومن تعب مؤقت إلى رصيد عظيم من الأجر، فاستحضار هذه المعاني هام جدا في استقرار النفس.
3- مرض الاضطراب الوجداني ثنائي القطب له طبيعة خاصة ومنها: أنه يجعل الشخص يمر بتغيرات واضحة في المزاج والسلوك، فقد يظهر أحيانا بصورة هادئة متزنة، وأحيانا بصورة مختلفة تماما، وهذا ليس تقلبا متعمدا منه، بل هو جزء من طبيعة المرض؛ ولذلك ما تشعرين به من الحيرة في فهم شخصيته أمر مفهوم جدا، لكن لا علاقة للتدين ولا غيره، فالرجل مريض، وليس متلاعبا بالدين.
4- من الناحية الشرعية، الزوجة غير مطالبة بأن تشعر بالحب القلبي تجاه زوجها؛ لأن المشاعر ليست أمرا يملكه الإنسان بالكامل، لذا فالشرع يطلب العدل في المعاملة والقيام بالواجبات، أما ميل القلب فهو أمر خارج عن قدرة الإنسان غالبا، وعدم شعورك بالحب تجاه زوجك بعد ما مررت به من ضغوط ومسؤوليات لا يترتب عليه إثم في ذاته؛ لأن القلب يتأثر بالتجارب والتعب النفسي، خاصة إذا شعرت أنك تحملت عبئا كان يفترض أن يكون مشتركا بين الزوجين.
5- أما مسألة سؤاله لك عن تألمه من جوابك؟
فالأصل في مثل هذه الحالات استعمال اللطف في التعبير، وهو ليس من باب الكذب، بل من باب الحكمة، فبدل الإجابة المباشرة بالنفي، يمكن القول مثلا: إنك تقدرينه وتحترمينه وتحرصين على استقرار الأسرة؛ لأن بعض الكلمات قد تكون قاسية على النفس، وإن كانت صادقة، وحتى لو لجأت للكذب في هذه الحالة فلا حرج عليك.
6- من المهم أيضا أن تفرقي بين مشاعرك تجاهه كشخص، وبين شعورك بالإنهاك من المسؤولية، فكثير من الأزواج أو الزوجات يفقدون المشاعر بسبب تراكم الضغوط، لا بسبب الشخص نفسه، ولذلك قد يكون جزء من مشاعرك ناتجا عن التعب النفسي الطويل.
7- لا بد من عرض الزوج على طبيب نفسي متخصص؛ فعلاج مثل هذه الحالات قائم، وقد ذكر المختصون أن هذه الأمراض إذا لم تعالج أو لم ينتظم المريض على العلاج تتكرر نوباتها، وأما العلاج المنتظم فيساعد على استقرار حالته بدرجة أكبر مما يخفف الضغط عن الأسرة.
8- شعورك بأنك وحدك في تحمل المسؤولية أمر مفهوم، لكن من المهم أيضا أن تحاولي أن تجدي لنفسك دعما نفسيا من الأسرة أو الأقارب أو الصديقات الصالحات؛ لأن حمل هذه الضغوط وحدك لفترة طويلة مرهق للنفس.
9- كراهية بعض المظاهر المرتبطة بمرحلة من مراحل مرضه، مثل ما ذكرت من نفورك من بعض مظاهر الالتزام عندما تكون مرتبطة بنوبات المرض، هذا شعور نفسي مفهوم نتيجة الربط بين التجربة المؤلمة وتلك المرحلة، لكنه لا يعني رفض الالتزام نفسه، بل هو أثر من آثار هذه التجربة.
وفي الختام نوصيك بما يلي:
نوصيك أولا: بالمحافظة على صلتك بالله تعالى؛ فالقلب إذا امتلأ بالإيمان والذكر خف عليه كثير من أثقال الحياة، فاجعلي لك وردا ثابتا من القرآن والذكر والدعاء، فإن هذه الصلة هي التي تمنح النفس قوة على الصبر وتعينها على احتمال الضغوط.
نوصيك ثانيا: أن لا تنسي نفسك وسط كثرة المسؤوليات، فالعناية بالصحة النفسية والجسدية ضرورة؛ لأن الإنسان إذا استنزف تماما ضعفت قدرته على العطاء، فاحرصي على أوقات للراحة والتجديد، والحديث مع من تثقين بهم من أهل الخير.
نوصيك ثالثا: أن تنظري إلى ما قمت به خلال هذه السنوات بعين التقدير، لا بعين التقليل، فما تحملته من تربية الأبناء والإنفاق والصبر على المرض عمل عظيم القدر عند الله، وربما كان سببا في رفعة درجتك عنده.
نوصيك رابعا: أن تسعي قدر المستطاع في متابعة علاج زوجك، واستقرار حالته النفسية إن أمكن؛ فالأمراض النفسية كثيرا ما تستقر بالعلاج والمتابعة، وقد يخفف ذلك من العبء الكبير الذي تحملته الأسرة.
نوصيك خامسا: أن تكثري من الدعاء بأن يصلح الله حال زوجك، وأن يبارك لك في أبنائك، ويجعلهم عونا لك في المستقبل، فالأبناء الصالحون من أعظم ما يجبر الله به تعب الوالدين بعد سنوات طويلة من الصبر.
ونوصيك سادسا: أن تستحضري دائما أن الله لا يضيع تعب الصابرين، وأن ما بذلته في هذه الحياة من صبر وتضحية لن يذهب سدى، بل سيجده الإنسان نورا وأجرا يوم يلقى الله.
نسأل الله أن يجبر خاطرك، وأن يكتب لك الأجر العظيم على صبرك، وأن يجعل ما تحملته رفعة لك في الدرجات وبركة في أبنائك، والله الموفق.