السؤال
بدوام النعم، ودوام شكر من أنعم بها؛ يهنأ العيش، فكيف نغرس في الشباب قيم شكرها، وثقافة الاعتدال في استخدامها؟ وما سبل الوقاية من السلوكيات السلبية المرتبطة بالإسراف، أو سوء التوظيف للنعم من منظور شرعي؟
بدوام النعم، ودوام شكر من أنعم بها؛ يهنأ العيش، فكيف نغرس في الشباب قيم شكرها، وثقافة الاعتدال في استخدامها؟ وما سبل الوقاية من السلوكيات السلبية المرتبطة بالإسراف، أو سوء التوظيف للنعم من منظور شرعي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمن أعظم مقاصد التربية الشرعية: غرس قيم شكر النعم في الشباب، وغرس ثقافة الاعتدال في استخدامها، والتحذير من الإسراف وسوء التوظيف لها.
وهذا الموضوع عالجته نصوص القرآن والسنة في أبواب الشكر، والزهد، والقصد في المعيشة.
وشكر الله سبحانه وتعالى يكون بالقلب واللسان والجوارح. فيكون بالقلب: بأن يعتقد العبد أن هذه النعمة التي حصلت له إنما هي من فضل الله عليه، كما قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53].
ويكون الشكر باللسان: بأن يتحدث العبد بنعم الله تعالى عليه، من باب إضافتها إليه سبحانه وتعالى، وليس من باب التفاخر على العباد، كما قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11].
ويكون الشكر بالجوارح: بتسخير النعم في طاعة الله عز وجل، كما قال تعالى: اعملوا آل داوود شكرا [سـبأ: 13].
قال ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين): الشكر مبني على خمس قواعد؛ خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره. فهذه الخمس: هي أساس الشكر. وبناؤه عليها. فمتى عدم منها واحدة: اختل من قواعد الشكر قاعدة. انتهى.
فتكون العناية أولا بترسيخ المفهوم الشرعي للشكر.
وكذلك تذكير الشباب وتربيتهم على أن النعمة ليست استحقاقا ذاتيا، وأن دوامها مرتبط بالشكر، قال تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم: 7]، فربط الزيادة بالشكر، وهذا أسلوب تربوي قرآني عظيم. وانظر الفتوى: 73736.
وأيضا من وسائل ذلك: تربية الشباب على خلق الاعتدال والاقتصاد، قال الله تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف: 31]، وقال: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67].
ويربون على حرمة الإسراف والتحذير منه، ويربون على أن الاعتدال عبادة، وعلى الاقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في زهده؛ فقد كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه الشريف، وكان يمر عليه الشهران لا يوقد في بيته نار، ولا يتقوت إلا بالتمر والماء.
هذا، وتربية الشباب لا تنجح بالمواعظ فقط، بل في وجود بيئة عملية معتدلة، وبعدم المبالغة في الترف أمامهم، وبإشراكهم في أعمال الخير، وتعويدهم على العطاء؛ فالشاب إذا تعود على الصدقة، وخدمة المحتاجين، وزيارة الفقراء - شعر بقيمة النعمة، وزال عنه داء الترف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. رواه مسلم.
ومما ينبغي أن يتربى عليه الشباب: ربط الشكر بالمسؤولية؛ فكل نعمة مسؤولية يوم القيامة، قال الله تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [التكاثر: 8]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ... ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فالشعور بالمسؤولية يولد الاعتدال.
وينبغي أن يتربى الشباب على القناعة والزهد في الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، رواه الترمذي. فالقناعة تحمي من التعلق بالمظاهر، وهي أصل كثير من صور الإسراف المعاصر.
وكذلك ينبغي التربية العملية على فقه الأولويات؛ فقد كان من فقه الصحابة والتابعين أنهم كانوا يقدمون الضروري على التحسيني، وقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. ومعنى "إضاعة المال": إنفاقه في المعاصي، أو الإسراف في صرفه في المباحات.
ومما ينبغي أن يتربى عليه الشباب: استحضار أن النعم ابتلاء، قال الله تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35]. فالنعمة أمانة واختبار، وليست مجرد ترف؛ ومن استحضر كونها ابتلاء أحسن توظيفها.
والله أعلم