مذاهب القراء في الابتداء بآية: أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ...

0 1

السؤال

ما حكم الابتداء بالآية: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} من سورة النمل؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فإنه يحسن بنا -أولا- أن نذكر القراءتين المشهورتين في هذه الآية الكريمة، ليتضح وجه الوقف والابتداء، فقد قرأ جمهور السبعة قوله تعالى في سورة النمل: (ألا يسجدوا لله) بتشديد اللام لأن أصلها: "أن لا" فأدغمت النون في اللام، وقرأها الكسائي (ألا يسجدوا) بتخفيف اللام على اعتبار أن "ألا" حرف استفتاح.

فعلى قراءة الجمهور يجوز الوقف على قوله تعالى: فهم لا يهتدون {النمل: 24} والابتداء بقوله تعالى: ألا يسجدوا لله [النمل: 25]؛ لأن (ألا يسجدوا) رأس آية، ولكن هذا الوقف غير كاف؛ وذلك لتعلق (ألا يسجدوا) بما قبلها، فهي في محل جر أو نصب بما قبلها.

وأما على قراءة الكسائي فالوقف على قوله تعالى: فهم لا يهتدون {النمل: 24} تام، لتمام المعنى، والابتداء بقوله تعالى: ألا يسجدوا لله [النمل: 25]؛ حسن؛ لأن (ألا) عنده حرف استفتاح.

قال أبو جعفر النحاس في القطع والائتناف: {فهم لا يهتدون} ليس بكاف؛ إلا أن يقرأ بقراءة أبي ‌جعفر، وحميد، والكسائي، فيقف على قول أبي عبيد: فهم لا يهتدون، ثم يبتدي {‌ألا ‌يسجدوا} والمعنى: ألا يا أيها الناس اسجدوا لله، فهذا المبتدأ كلام. اهـ.

وقال الأشموني في منار الهدى في بيان الوقف والابتدا: {لا يهتدون} تام؛ على قراءة الكسائي: ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام، وعلى قراءته يوقف على أعمالهم وعلى يهتدون، ومن قرأ بتشديد: ألا لا يقف على أعمالهم، ولا على لا يهتدون، ولا على ألا؛ لأن الياء على قراءتها بالتشديد من بنية الكلمة فلا تقطع، وأصل: ألا، أن لا أدغمت النون في اللام، فـ أن هي الناصبة للفعل، وهو: يسجدوا، وحذف النون علامة النصب... اهـ.

وقال الشيخ عبد الفتاح القاضي في الوافي في شرح الشاطبية: (قف) للكسائي على ما قبل حرف التنبيه، أي على قوله: يهتدون؛ لأن الكلام يتم على لا يهتدون عند الكسائي، ثم ذكر أن غير الكسائي أدرج، أي وصل يهتدون بقوله ألا؛ لأن ألا عند هؤلاء القراء مشددة، ويسجدوا فعل مضارع، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، وهذا المصدر بدل من أعمالهم في: وزين لهم الشيطان أعمالهم، والتقدير: وزين لهم الشيطان أعمالهم ترك السجود لله الذي يخرج الخبء... إلخ.
وقوله: (وقد قيل مفعولا) معناه: أن بعض العلماء جعل ألا يسجدوا في قراءة غير الكسائي بتشديد اللام مفعول به، لقوله يهتدون بزيادة لا، والتقدير: فهم لا يهتدون أن لا يسجدوا، أي لا يهتدون للسجود
. اهـ.

وقد توسع أبو حيان في البحر المحيط في توجيه القراءتين فقال: وقرأ ابن عباس، وأبو جعفر، والزهري، والسلمي، والحسن، وحميد، والكسائي: ألا، بتخفيف لام الألف، فعلى هذا له أن يقف على: فهم لا يهتدون، ويبتدئ على: ألا يسجدوا. .. وباقي السبعة: بتشديدها، وعلى هذا يصل قوله: فهم لا يهتدون بقوله: ألا يسجدوا...
وأما قراءة باقي السبعة، فخرجت على أن قوله: ألا يسجدوا في موضع نصب، على أن يكون بدلا من قوله: أعمالهم، أي فزين لهم الشيطان أن لا يسجدوا. وما بين المبدل منه والبدل معترض، أو في موضع جر، على أن يكون بدلا من السبيل، أي فصدهم عن أن لا يسجدوا.
وعلى هذا التخريج تكون لا زائدة، أي فصدهم عن أن يسجدوا لله، ويكون فهم لا يهتدون ‌معترضا ‌بين ‌المبدل ‌منه ‌والبدل، ويكون التقدير: لأن لا يسجدوا.

وتتعلق اللام إما بزين، وإما بـ: فصدهم، واللام الداخلة على أن داخلة على مفعول له، أي علة تزيين الشيطان لهم، أو صدهم عن السبيل، هي انتفاء سجودهم لله، أو لخوفه أن يسجدوا لله... اهـ. مختصرا.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة