الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فحرصك على تحري الحلال، وخوفك من الوقوع في الحرام، من علامات الإيمان، وحياة القلب، لكن المبالغة في التنقيب والشك، قد تخرج بالمسلم من دائرة الورع المحمود إلى دائرة الوسوسة والتنطع، مما يؤدي إلى إغلاق أبواب الرزق الحلال بغير مسوغ شرعي.
هذا؛ ومن القواعد الشرعية المقررة أن الأصل في جميع الأعيان والمطاعم غير اللحوم هو الحل والإباحة، ما لم يقم دليل صريح على تحريمها؛ قال الله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [البقرة: 29]. وقال سبحانه: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [الأعراف: 32].
فالمحرمات في الشريعة محصورة ومفصلة، وما عداها يبقى على أصل الإباحة، ولا يحكم على طعام بالتحريم بمجرد التوهم، أو الاحتمال العقلي المجرد.
وما يمنع من أطعمة غير المسلمين من غير أهل الكتاب (كالمشركين في الصين وغيرها) يقتصر على الذبائح، وما يحتاج إلى تذكية؛ كلحوم الحيوانات البرية، وشحومها، والجيلاتين الحيواني المستخرج منها.
أما ما لا يحتاج إلى تذكية؛ كالنباتات، والسكريات، والنشويات، وعصائر الفواكه، ومكسبات الطعم واللون النباتية أو الكيميائية؛ فهذه حلال بالإجماع، ويجوز أكلها وتداولها واستيرادها من أي بلد كان ما لم يتيقن اشتمالها على نجس أو مسكر.
ومن القواعد الفقهية الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك). واليقين لديك أن المكونات الأساسية للحلويات، وهي: (سكر، نكهات، صمغ نباتي، ألوان) - مباحة في أصلها. والشك العارض في أصل بعض المركبات الدقيقة لا ينقض يقين الحل، ومجرد الاحتمال البعيد لا يلغي الأصل الشرعي ولا يلتفت إليه.
وقد بين أهل العلم -كأبي حامد الغزالي، وابن تيمية- أن الورع نوعان؛ ورع مشروع، وهو ترك ما دلت القرائن الظاهرة على اشتباهه أو تحريمه دون تعطيل للمصالح الراجحة، وورع الموسوسين (أو الورع الفاسد)، وهو التنطع بالامتناع عما لا علامة ظاهرة على تحريمه، كمن يمتنع عن شراء السلع من الأسواق لاحتمال بعيد، أو يفرط في التفتيش عما وراء الظاهر مما يشق البحث عنه.
قال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: الحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه، وانحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية، ومثاله: الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد، يكون هو واقفا عند جمعه، وأخذه من الهواء في ملك نفسه، أو في أرض مباحة.
والحرام المحض: هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها، كالشدة المطربة في الخمر، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره.
فهذان طرفان ظاهران، ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه، فإن صيد البر والبحر حلال، ومن أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه، وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته، فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء، ولكنه في معنى ماء المطر، والاحتراز منه وسواس، ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين، حتى تلتحق به أمثاله، وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه، نعم لو دل عليه دليل، فإن كان قاطعا كما لو وجد حلقة في أذن السمكة، أو كان محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كيا، لا يقدر عليه إلا بعد الضبط، ويحتمل أن يكون جرحا، فهذا موضع الورع، وإذا انتفت الدلالة من كل وجه، فالاحتمال المعدوم دلالته كاحتمال المعدوم في نفسه. انتهى.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة، وبالعلم لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس}، وهذه حال أهل الوسوسة في النجاسات؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد، المركب من نوع دين وضعف عقل وعلم، وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة أو مشتبهة أو كلها. انتهى.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم- من التنطع فقال: هلك المتنطعون. قالها ثلاثا، أي: المتشددون، والمتعمقون فيما لم يفرضه الشرع. والشرع كلفنا بالظاهر، ولم يكلفنا بالتنقيب عن البواطن غير المدركة.
والذي ننصحك به هو: الاستمرار في العمل وعدم إيقافه، ولا تغلق شركتك؛ فما تفعله تجارة مباحة قائمة على أصل الحل.
واعلم أن ترك الحلال خوفا من شبهات متوهمة ليس من التقوى، بل الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج.
وللفائدة، انظر الفتاوى: 117865، 28550، 59586.
والله أعلم.