بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
( فصل ) :

وأما بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه ويخرج عن كونه خصما للمدعي فنقول وبالله التوفيق أنه يخرج عن كونه خصما للمدعي بكون يده غير يد المالك وذلك يعرف بالبينة أو بالإقرار أو بعلم القاضي نحو ما إذا ادعى على رجل دارا أو ثوبا أو دابة فقال الذي في يده هو ملك فلان الغائب أودعنيه وجملة الكلام فيه أن المدعي لا يخلو إما أن يدعي عليه ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا أو يدعي عليه فعلا فإن ادعى ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا فقال الذي في يده أودعنيها فلان الغائب أو رهنها أو آجرها أو أعارها أو غصبتها أو سرقتها أو أخذتها أو انتزعتها أو ضلت منه فوجدتها وأقام البينة على ذلك تندفع عنه الخصومة عند عامة العلماء .

وقال ابن أبي ليلى تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم وقال ابن شبرمة لا تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم هذا إذا لم يكن الرجل معروفا بالافتعال والاحتيال فإن كان تندفع عنه الخصومة عند أبي حنيفة ومحمد أيضا وعند أبي يوسف لا تندفع وهي المسألة المعروفة بالمخمسة والحجج تعرف في الجامع وكذلك لو ادعى لنفسه والفعل على غير ذي اليد بأن قال هذا ملكي غصبه مني فلان لأنه لم يدع على ذي اليد فعلا فصار في حق ذي اليد دعوى مطلقة فكان على الخلاف الذي ذكرنا فأما إذا ادعى فعلا على ذي اليد بأن قال هذه داري أو دابتي أو ثوبي أودعتكها أو غصبتنيها أو سرقتها أو استأجرتها أو ارتهنتها مني وقال الذي في يديه إنها لفلان الغائب أودعنيها أو غصبتها منه ونحو ذلك وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة ووجه الفرق أن ذا اليد في دعوى الملك المطلق إنما يكون خصما بيده ألا ترى أنه لو لم يكن المدعي في يده لم يكن خصما فإذا أقام البينة على أن اليد لغيره كان الخصم ذلك الغير وهو غائب فأما في دعوى الفعل فإنما يكون خصما بفعله لا بيده ألا ترى أن الخصومة متوجهة عليه بدون يده وإذا كان خصما بفعله بالبينة لا يتبين أن الفعل منه لم يكن فبقي خصما ولو ادعى فعلا لم يسم فاعله بأن قال غصبت مني أو أخذت مني فأقام ذو اليد البينة على الإيداع تندفع الخصومة لأنه ادعى الفعل على مجهول وأنه باطل فالتحق بالعدم فبقي دعوى ملك مطلق فتندفع الخصومة لأنه ادعى الفعل على مجهول وأنه باطل فالتحق بالعدم فبقي دعوى ملك مطلق فتندفع الخصومة .

ولو قال سرق مني فالقياس أن تندفع الخصومة كما في الغصب والأخذ وهو قول محمد وزفر وفي الاستحسان لا تندفع فرقا بين الغصب والأخذ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ووجه الفرق يعرف في الجامع ولو قال المدعي هذه الدار كانت لفلان فاشتريتها منه وقال الذي في يده أودعني فلان الذي ادعيت الشراء من جهته أو سرقتها منه أو غصبتها تندفع عنه الخصومة من غير إقامة البينة على ذلك لأنه ثبت كون يده يد غيره بتصادقهما أما المدعى عليه فظاهر وأما المدعي فبدعواه الشراء منه لأن الشراء منه لا يصح بدون [ ص: 232 ] اليد وكذا لو أقام الذي في يديه البينة على إقرار المدعي بذلك لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو عاينا إقراره لاندفعت الخصومة كذا هذا وكذلك إذا علم القاضي بذلك لأن العلم المستفاد له في زمان القضاء فوق الإقرار لكونه حجة متعدية إلى الناس كافة بمنزلة البينة وكون الإقرار حجة مقتصرة على المقر خاصة ثم لما اندفعت الخصومة بإقرار المدعي فبعلم القاضي أولى ولو قال الذي في يديه ابتعته من فلان الغائب لا تندفع الخصومة لأنه ادعى الملك واليد لنفسه وهذا مقر بكونه خصما فكيف تندفع الخصومة ولو أقام المدعي البينة أنه ابتاعه من عبد الله وقال الذي في يديه أودعنيه عبد الله ذلك تندفع الخصومة من غير بينة لأنهما تصادقا على الوصول إليه من يد عبد الله فأثبتا اليد له وهو غائب وعلى هذا الأصل مسائل كثيرة في الجامع والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية