صفحة جزء
[ ص: 3 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( الصلاة المكتوبة خمس لما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : " { جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل نجد ثائر الرأس ، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات كتبهن الله عليك في اليوم والليلة ، قال : هل علي غيرهن ؟ قال : لا إلا أن تطوع ) . }


( الشرح ) الصلاة في اللغة الدعاء ، وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه ، هذا هو الصحيح وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق ، وقيل في اشتقاقها ومعناه أقوال كثيرة أكثرها فاسدة لا سيما قول من قال : هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته ، والصلاة تقيم العبد على الطاعة ، وبطلان هذا الخطأ أظهر من أن نذكره لأن لام الكلمة في الصلاة واو ، وفي صليت ياء ، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية ؟ . وأما حديث طلحة فرواه البخاري ومسلم وهو بعض حديث طويل مشهور . وقوله : " ثائر " أي منتفش شعره وهو برفع الراء ، وقوله : " نسمع ولا نفقه فهو بالنون المفتوحة فيهما ، وروي بالياء المثناة من تحت مضمومة ، وكلاهما صحيح لكن النون أصح وأشهر . وقوله " دوي " هو بفتح الدال المهملة ، هذا هو المشهور ، وحكى صاحب المطالع ضمها وهو شاذ ضعيف ، ومعناه بعده في الهواء وعلوه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا أن تطوع " هو بتشديد الطاء والواو ، على إدغام إحدى التاءين في الطاء . ويجوز تخفيف الطاء على الحذف .

وأما طلحة الراوي ، فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، [ ص: 4 ] رضي الله عنهم ، وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن كعب بن مرة بن لؤي القرشي التيمي ، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ومناقبه كثيرة مشهورة ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير ، وطلحة الجود ، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة ، وحديثه هذا مشتمل على فوائد كثيرة جمعتها واضحة في أول شرح صحيح البخاري ، ومختصرها أن فيه بطوله وجوب الصلوات الخمس كل يوم وليلة ، ووجوب الصيام ووجوب الزكاة ، وأنه لا يجب من الصلوات إلا الخمس ولا من الصيام غير رمضان وأن من حافظ على الواجبات ولم يفعل شيئا من النوافل دخل الجنة ، وأن الإيمان والإسلام يطلق على الصلاة والصيام وغيرهما من الطاعات ، وفيه أنه ليس في المال حق متأصل غير الزكاة ، وفيه جواز قول رمضان من غير ذكر الشهر ، وجواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ، وتقرير هذه الفوائد وما يتعلق بها موضح هنا .

( أما حكم المسألة ) فأجمعت الأمة على أن الصلوات الخمس فرض عين ، وأجمعوا أنه لا فرض عين سواهن ، واختلفوا في العيد هل هو فرض كفاية أم سنة ؟ وفي الوتر هل هو سنة أم واجب ؟ مع إجماعهم أنه ليس بفرض . وأما صلاة الجنازة ففرض كفاية وأما ركعتا الطواف فالأصح أنهما سنة ، ومن قال بوجوبهما فإنما وجبتا عنده لعارض وهو الطواف لا بالأصالة ، فأشبهت المنذورة . وقد كان قيام الليل واجبا في أول الإسلام ، ثم نسخ في حق الأمة ، وهل نسخ في حق النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيه وجهان لأصحابنا . قال أكثرهم : لم ينسخ ، والصحيح أنه نسخ . ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي رحمه الله ، ويدل عليه حديث سعد بن هشام عن عائشة ، وهو حديث طويل قال فيه : { قلت أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ { يا أيها المزمل } فذكرته إلى أن قالت فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة } " رواه مسلم في صحيحه والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية