صفحة جزء
أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم [ ص: 364 ] بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون

"وآثارا" قصورهم ومصانعهم. وقيل: مشيهم بأرجلهم لعظم إجرامهم. فما أغنى عنهم ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها النصب، والثانية: موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع، يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم. فرحوا بما عندهم من العلم فيه وجوه: منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى: بل ادارك علمهم في الآخرة [النمل: 66]: وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون: لا نبعث ولا نعذب، وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى [فصلت: 50]، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا [الكهف: 36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال عز وجل: كل حزب بما لديهم فرحون [الروم: 32] ومنها: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذ سمعوا بوحي الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط: أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها: أن يوضع قوله: فرحوا بما عندهم من العلم [غافر: 83] ولا علم عندهم البتة، موضع قوله: لم يفرحوا بما جاءهم من العلم، مبالغة في نفى فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء. ومنها أن يراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال: استهزءوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين. ويدل عليه قوله تعالى: وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ومنها: أن يجعل الفرح للرسل. ومعناه: أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم: فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه. وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون [الروم: 7]، ذلك مبلغهم من العلم [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات -وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات- لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب [ ص: 365 ] للفوائد من علمهم، ففرحوا به.

التالي السابق


الخدمات العلمية