الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " ولو قال أنت خلية أو بائن أو بريئة أو بتة أو حرام أو ما أشبهه فإن قال قلته ولم أنو طلاقا وأنوي به الساعة طلاقا لم يكن طلاقا حتى يبتدئه ونيته الطلاق وما أراد من عدد " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن الألفاظ التي يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى ثلاثة أقسام صريح وكناية وما ليس بصريح ولا كناية ، فأما الصريح فقد ذكرنا أنه ثلاثة ألفاظ : الطلاق ، والفراق ، والسراح ، ومعنى الصريح أنه لا يفتقر في وقوعه إلى نية ، وأما الكناية فهو الذي لا يقع الطلاق به إلا مع النية ، وهو كل لفظ دل على المباعدة .

وقال الشافعي في كتاب " الرجعة " : كل ما يشبه الطلاق فهو كناية ، والكنايات ضربان : ظاهرة وباطنة ، فالظاهرة ستة ألفاظ ، بتة وخلية وبرية وباين وبتلة وحرام . [ ص: 160 ] والباطنة اعتدي واذهبي والحقي بأهلك ، وحبلك على غاربك ولا حاجة لي فيك وانكحي من شئت واستبرئي وتقنعي وقومي واخرجي وتجرعي ، وذوقي وكلي واشربي واختاري وما أشبه ذلك على ما سنشرحه ، وكلا الأمرين الضربين عندنا سواء ، وحكم الظاهرة والباطنة عندنا واحد . فإن اقترن بالنية وقع به الطلاق وإن تجرد عنها لم يقع .

وقال مالك : الكنايات الظاهرة يقع بها الطلاق الثلاث من غير نية ، فإن نوى بها واحدة كانت في غير المدخول بها ما نوى ، وفي المدخول بها ثلاثا .

وقال أبو حنيفة : جميع الكنايات الظاهرة والباطنة يقع بها الطلاق ، إذا قارنها أحد ثلاثة أشياء : النية أو الغضب أو طلب الطلاق ، ولكن ما كان ظاهرا وقع بائنا ، وما كان منها باطنا وقع رجعيا ، إلا أن يريد بهما ثلاثا فتكون ثلاثا ، ولو أراد اثنتين لم تكن إلا واحدة ، ولو أراد بصريح الطلاق ثلاثا أو اثنتين ، لم تكن إلا واحدة ، وله في كل لفظة مذهب يطول شرحه ، لكن تقريب جملته ما ذكرناه فصار الخلاف معه في أربعة فصول :

أحدها : أن الغضب والطلب هل يقومان في الكناية مقام النية أم لا ؟ .

والثاني : أن وقوع الطلاق بالكنايات الظاهرة هل يكون بائنا أم لا ؟ .

والثالث : إذا أراد بالكنايات اثنتين هل تكون اثنتين أم لا ؟ .

والرابع : أنه أراد بصريح الطلاق الثلاث هل تكون ثلاثا أم لا ؟ .

فأما الفصل الأول في الطلب والغضب فقد مضى الكلام فيهما ، وذكرنا أنه لا تأثير لهما في صريح ولا كناية .

التالي السابق


الخدمات العلمية