الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

البطالة .. في صفوف الفلسطينيين

/content/img/logo.png
1553 0 460

أكثر صور البطالة قتامة في البلاد العربية هي صورة البطالة بين صفوف العمال الفلسطينيين (في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ، بالإضافة إلى العمال الفلسطينيين داخل فلسطين 1948م) الارتفاع الشديد في معدل البطالة يرجع إلى سياسات الحصار والتضييق والخنق الاقتصادي الذي تمارسه سلطة الاحتلال الإسرائيلي ، فأحدثت خللا هيكليـًا في سوق العمل الذي تمثل في وجود كمّ كبير من فائض العمل النسبي الذي يتزايد عامـًا بعد الأخر تحت تأثير ارتفاع معدل النمو السكاني واستيلاء الركود الاقتصادي على الأراضي المحتلة والمضايقات وإغلاق السوق الإسرائيلي أمامها خاصة في ظل تصاعد الانتفاضة .      

وأوضحت إحصائيات رسمية أن أكثر المجتمع الفلسطيني تضررا من الأوضاع الحالية في الأراضي الفلسطينية هم فئة العمال الفلسطينيين وبالذات الذين كانوا يعملون داخل ما يسمى بالخط الأخضر قبل أن تفرض قوات الاحتلال إغلاق شاملاً على الأراضي الفلسطينية .

وتتعرض المنطقة الصناعية التي أقيمت قرب معبر بيت حانون لهذه المشكلة المعضلة وتعتبر من أقدم المناطق الصناعية في قطاع غزة حيث أقيمت في مطلع السبعينات ويعمل بها أربعة آلاف عامل فلسطيني في عدة مصانع للخياطة وورش للنجارة والحدادة تتعرض للإغلاقات بين حين وآخر ، وتمنع السلطات الإسرائيلية العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم ، وفي المنطقة الصناعية عند معبر إيرز استغنت مصانع كثير ة عن عمالها . وفي هذا السياق أفادت إحصاءات لوزارة العمل أنه لم يتبق سوى " 2000 " عامل في المنطقة الصناعية من أصل " 5000 " ، إضافة إلى توقف مئات العمال عن العمل في المصانع والورش الغازية جراء تدمير قوات الاحتلال لهذه المصانع والورش ، فضلاً عن آلاف العمال الذين توقفوا عن عملهم في القطاعات الأخرى كالزراعة والبناء والنقل والمواصلات نتيجة لتدهور هذه القطاعات وتوقفها جراء الحصار المفروض على قطاع غزة .     

وأفاد تقرير للبنك الدولي أن فقدان فرص العمل في إسرائيل إلى جانب القيود المفروضة على حرية التنقل وإغلاق الحدود قد تسبب في ارتفاع معدل البطالة بنسبة " 48% " أي ما يقارب أكثر من " 250 " ألف شخص ، وذلك بالمقارنة بنسبة " 11% " (70 ألف شخص) في الأشهر التسعة الأولى من العام 2000م .   كما أشار التقرير إلى انخفاض معدل الدخل الفردي بنسبة " 16% " حيث بلغ حوالي"1680"دولارا سنويـًا ، وقد كان مقدرا له أن يصل إلى " 2000دولارا لولا وجود إغلاقات حدودية وقيود داخلية .

ومنذ انتفاضة الأقصى عمدت قوات الاحتلال إلى اتخاذ إجراءات قمعية جديدة ضد العمال الفلسطينيين تتمثل في إطلاق الرصاص والتفتيش العاري وباستخدام الكلاب ، وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض عدد العمل الفلسطيني في تلك المنطقة إلى أكثر من النصف أي أصبح عددهم يقارب الألفين .

ويصف العامل محمود (40 عامـًا) من مخيم دير البلح الإجراءات الإسرائيلية بأنها مذلة حيث تبدأ الإجراءات بدخولنا عبر بوابة حديدية لاكتشاف المعادن ، ومن ثم إدخالنا إلى غرف لخلع الملابس وإدخال الكلاب علينا للتفتيش ، بالإضافة إلى احتجاز لعدة ساعات عند وقوع أي حادث وإخضاعنا للتحقيق واعتقال البعض منا . وأضاف محمود " فالأوضاع في غزة لا يوجد أمامي أي حل ، فالأوضاع في غزة لا يوجد بها أي مجال للعمل ، وأنا المعيل الوحيد لأسرة مكونة من ثمانية أفراد . علاوة على ذلك تقوم قوات الاحتلال المتمركزة في المعبر بإعتقالات في صفوف العمال بعد إجراء تحقيق معهم في غرف خاصة معدة لذلك 0

ووفقاً لإحصاءات غير رسمية فإن عدد العمال الفلسطينيين في المستوطنات بمحافظات غزة قُدّر بنحو " 3500 " عامل قبل بدء الانتفاضة الحالية، انخفض الآن إلى أقل من " 2000 " عامل يعملون في مجالات الزراعة والبناء والنظافة وغيرها ، ويتقاضون أجورا لا تزيد على " 9.56 " دولار، في حين أن الحد الأدنى للأجور " 24.85 " دولار كما أنهم لا يحصلون على أي حقوق مثل ضمان اجتماعي وتأمين صحي أو إجازة سنوية مدفوعة أو بدل مواصلات، وهو الأمر الذي شجع الشركات الإسرائيلية على نقل عملها إلى المستوطنات في الضفة وغزة لتحصل على طاقة عاملة بتكلفة قليلة.

وتؤكد دراسة للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن أرباب العمل يرفضون معاملة العمال وفقا لأحكام قانون العمل الإسرائيلي، وذلك على الرغم من أن الإدارة المدنية للاحتلال أصدرت الأمر 967 الذي يجبر أصحاب العمل على تأمين العمال، ورفع الحد الأدنى من الأجور.

وتبرز معضلة العمل في المستوطنات -إضافة إلى دعمه للاقتصاد الإسرائيلي وتعميق التبعية الاقتصادية للاحتلال- يحمل في طياته مؤشرات خطيرة على الاقتصاد والقضية الوطنية، وهو ما يعيبه وينتقده كثير من مسئولي السلطة، إلا أن الجهات المعنية لم تتحرك بشكل جدي وعملي لوقف هذه الظاهرة، وبقيت دعواتها مجرد كلام إنشائي لا جدوى منه في ظل عدم تقديم البديل، علما أن البديل كان سهلا، خاصة في مرحلة ما قبل الانتفاضة؛ إذ من السهل توفير دخول لـ" 2000 " عامل حتى ولو على بند البطالة.

ويقول "عبد العزيز قديح" عضو السكرتارية العليا للقوى الوطنية والإسلامية لمواجهة الاستيطان: إنه لا يعقل أن نرفع أصواتنا مطالبين دول الاتحاد الأوروبي بمقاطعة المستوطنات ومنتجاتها في الوقت الذي لا نلتزم فيه نحن بقرار المقاطعة، مؤكدا أن قضية العمل في المستوطنات تشكل إحدى القضايا الحساسة التي تمس قضيتنا الوطنية، خاصة في ظل هذه المرحلة التي نخوض فيها مواجهة لإزالة هذه المغتصبات. وقال قديح: إن هذا الأمر يتطلب من الجميع التضحية ويفرض على الجهات المعنية العمل بأقصى سرعة من أجل توفير حل لهذه الإشكالية؛ حيث إنه في ضوء غياب الإرادة السياسية بوقف التعامل مع المستوطنات كان من الطبيعي أن تفشل قرارات المقاطعة ومن بينها القرار الذي اتخذته لجان مواجهة الاستيطان نهاية عام 1999 والذي أُلغي بعد ثلاثة أيام فقط لعدم تمكن الجهات المعنية من توفير فرص عمل بديلة للعمال.

السقوط في فخ الخيانة :

ضمن ملف العمل في المستوطنات تبرز قضية شائكة أخرى تتمثل في الابتزاز الأمني الذي يتعرض له الكثير من العمال؛ لإجبارهم على التعامل مع أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية. ويؤكد العديد من العمال -الذين فضلوا عدم ذكر أسمائهم- أن مخابرات الاحتلال تمارس سياسة مبرمجة لمساومة العمال ودفعهم لخيانة شعبهم والتعامل مع الاحتلال عبر توفير بعض المغريات مثل فرص العمل وما تتطلبه من تصاريح أو أجور مجزيةأو تسهيلات تجارية، وهو أمر قد يضعف أمامه بعض أصحاب النفوس المريضة. وتشير العديد من المصادر إلى أن المستوطنات أصبحت بؤرًا للانحراف في مجتمعنا الفلسطيني، كما أنها تعتبر مراكز للإسقاط الأمني، يؤكد ذلك اعترافات عدد من العملاء، سواء في الانتفاضة الأولى أو الحالية بأن ارتباطهم بالأجهزة الإسرائيلية جاء عبر بوابة العمل في المستوطنات، كما أن اللقاءات والاتصالات مع العملاء تتم عبر المستوطنات وتحت غطاء العمل . ويقول مسؤول في وزارة العمل: إن هذه القضية حساسة، خاصة في هذه المرحلة، والوزارة ليس لديها معطيات دقيقة حول حجم الظاهرة. مشيرا إلى أن عدم وجود فرص بديلة يدفع إلى توجيه نداءات "غير ملزمة" بمقاطعة العمل، مع توجيه دعوات مستمرة للمشغّلين باستيعاب هؤلاء؛ لوضع حد لهذه المأساة، كما تقع على عاتق رجال المال العرب والمسلمين مسؤولية في هذا المجال. والذي يعمل في المستوطنات الصهيونية ليس المثال الوحيد للعمال في فلسطين؛ فهناك مثال آخر من العمال نراه يقف أمام مقر لجنة زكاة الرحمة بخان يونس ليقول أحدهم : " لم أكن أتصور أن يأتي يوم أطلب فيه المساعدة لأتمكن من إعالة وتوفير الطعام لأفراد أسرتي المكونة من 13 فردا".

وإذا أردنا إلقاء نظرة عن كثب لاقتصاد مدينة بها مستوطنات وتحيا في ظل الحصار، تكفينا خانيونس "قلعة الجنوب" رمز الصمود والمقاومة"عدد سكانها196.662نسمة منهم34547من سكان المخيمات"، فقد كانت آخر مدن القطاع سقوطًا في يد الصهاينة؛ لذا ركزوا مستوطناتهم بها وأحكموا حصارها، ومن رفض من عمالها العمل في المستوطنات وجد نفسه خارج سوق العمل يتجرع مرارة البطالة التي تحول دون توفيره المتطلبات الأساسية لأسرته، وتجبره على التوجه للمؤسسات بحثًا عن فرصة عمل أو طلبا للمساعدة، وكثيرا ما ينتهي به الأمر عند لجان الزكاة للاستفادة من المعونات التي تقدمها للأسر من ذوي الدخل المحدود ، يبلغ عدد سكانها " 196,662" نسمة، منهم " 34547 " من سكان المخيمات ، وسائر محافظات الوطن؛ وصورة تتكرر يوميا: مئات النساء يتدافعن أمام مقار لجان الزكاة والجمعيات الخيرية طلبا للمعونة ليتمكنّ من الإنفاق على أطفالهن، فيما يتقاطر أزواجهن وأبناؤهن العاطلون عن العمل منذ أكثر من ثمانية أشهر على المؤسسات؛ بحثا عن فرصة عمل أو معونة طارئةبلا جدوى. وكما أكد "أمين مسمح" مدير مكتب وزارة العمل في خان يونس فإن أكثر من 11 ألف عامل من خان يونس سُجّلوا لدى المكتب كعمال تضرروا من آثار الإغلاق والحصار الذي يفرضه العدو الصهيوني على محافظات غزة والضفة، منهم 6500 عامل كانوا يعملون داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1948 وتوقفوا كليا عن أعمالهم، أما باقيهم فقد كانوا يعملون دون تصاريح أو تسجيل رسمي. لم يكن العاملون في المنشآت المحلية بأفضل حالا من العاملين في الأراضي المحتلة، فقد تعطلوا كذلك؛ نظرا لتوقف العمل في أكثر من "50% " من المنشآت المحلية حيث تشير الإحصاءات إلى توقف " 156 " منشأة من أصل " 332 " منشأة في خان يونس عن العمل، وهي تشمل مصانع خياطة وبلاستيك وألمونيوم وغيرها، الأمر الذي دفع بـ بأعداد كبيرة من العمالة إلى البطالة، فضلا عن مئات العمال الآخرين غير المسجلين أو الذين يعملون في منشآتهم الخاصة.

انخفاض المبيعات.. والأسعار متدنية!

هذا وقد قلصت عشرات المنشآت المحلية الأخرى أعمالها أو جمّدتها كليا بسبب عدم توفر المواد الخام اللازمة للتصنيع التي يمنع الاحتلال إدخالها عبر المعابر أو الحاجز، سواء الخارجية أو عبر الضفة والخط الأخضر، إضافة إلى العوامل المتعلقة بمنع التصدير والتداول التجاري الناجمة عن الاتفاقية الاقتصادية "سيئة الذكر" الملحقة باتفاق "أوسلو" والتي عُرفت بـ"بروتوكول باريس" ووقّعت في باريس بتاريخ 29/4/1994م. وتكشف المعطيات التي توفرها محافظة خان يونس أن القطاع الصناعي مُنِي بخسائر فادحة تجاوزت ثلاثة ملايين دولار نتيجة انخفاض حجم الإنتاج إلى 30%، فضلا عن إغلاق ثلث المؤسسات والمنشآت الصناعية، بينما يبدو القطاع الزراعي على وشك الانهيار التام نتيجة العدوان الاحتلالي؛ حيث طالت أعمال التجريف مئات الدونمات المزروعة بأشجار الزيتون واللوزيات والحمضيات والنخيل، إضافة إلى الدفيئات الزراعية حيث بلغت خسائر هذا القطاع أكثر من 30 مليون دولار .

البطالة المتفشية التي تؤكد بعض التقارير المختصة ارتفاع معدلها إلى نحو 60% في أهالي محافظات الوطن تؤثرسلبا على الحركة التجارية ومعدلات البيع والشراء؛ حيث تشهد أسواق المحافظة حالة من الركود الذي لم يسبق له مثيل، وهو يزداد يوما بعد يوم مع استمرار الحصار الإحتلالي وسياسة العزل وإغلاق المعابر والطرق.

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.