الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

طرقات على أبواب المستقبل

طرقات على أبواب المستقبل
2704 0 1251

تعود الوقائع الدموية لمجزرة دير ياسين، التي راح ضحيتها المدنيون العزل من أبناء هذه القرية الفلسطينية، في التاسع من إبريل 1948، على يد القتلة من منظمتي «ليحي» و«إيتسل» وبإشراف عصابات «هاغاناه» الصهيونية، لتستقطب الاهتمام هذه الأيام، ليس لأن الحكومات العربية، أو حتى منظمات عربية غير حكومية، سعت إلى إعادة وضع هذه المذبحة تحت أنظار العالم، والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها والكيان الذي من أجل إنشائه ارتكبت هذه الجريمة الوحشية وكثير غيرها، وإنما لأننا حيال نموذج آخر لهدر الذاكرة العربية، وكأننا لا وجود لنا، وليتعامل معها وفيها غيرنا.

الأمر يعود إلى قيام طالبة إسرائيلية تدعى نيطع شوشاني، بتقديم طلب، في عام 2006، للاطلاع على المواد المتوفرة في الأرشيف الرسمي الإسرائيلي عن دير ياسين، لاستخدامها في رسالتها للماجستير من كلية بتسلئيل للفنون في القدس، باعتبار أن الحظر المفروض على هذه المواد انتهى عام 1998. ولم يسمح للطالبة إلا بالحصول على جانب من هذه المواد، وقيل لها: إن لجنة وزارية مددت فترة الحظر إلى ما يتجاوز الخمسين عاماً المفروضة أصلاً. تبنت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية موقف الطالبة، التي استعانت بمحام لمخاطبة وزارة الحرب الإسرائيلية لإيضاح سبب رفضها الكشف عن هذه الوثائق وتجاهلها لآخر مطالبة لها في هذا الصدد، في 10 سبتمبر 2007. وطالبت الصحيفة أيضاً بالاطلاع على التقارير التي كتبها عن المجزرة المؤرخ الإسرائيلي مئير بعيل، الذي كان وقتها من عناصر الاستخبارات في عصابة «هاغاناه».

كان السؤال المطروح على المحكمة في ضوء الالتماس الذي رفعته الصحيفة هو: هل «الأحداث» التي وقعت في دير ياسين من الحساسية بحيث أنه بعد مرور 62 عاماً عليها تصر "إسرائيل" على عدم الكشف عن الوثائق والصور المتعلقة بها للجمهور؟

أخلى قضاة المحكمة الثلاثة القاعة من الجمهور.

وهم ينظرون في الوثائق والصور التي قدمها لهم نائب المدعي العام الإسرائيلي، وبعد دقائق قلائل استدعوا الطرفين، حيث تم إبلاغهما بأن المحكمة ستتخذ قرارها في وقت لاحق، أخذاً في الاعتبار بالموقف الرسمي الإسرائيلي القائل: إن نشر هذه الوثائق والصور من شأنه الإضرار بعلاقات "إسرائيل" الخارجية، وخصوصاً مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، وقد يترتب عليه تفاقم التوتر في صفوف فلسطينيي 1948.

في ضوء متابعة كثيرين على امتداد العالم لهذه التطورات، تبرز مجموعة من الحقائق المهمة، التي لا بد لعالمنا العربي من أن يجد سبيلاً إلى التعامل معها، إذا كان ينشد منهاجاً سليماً للتعامل مع المستقبل:

أولاً - لا بد لنا من أن نستعيد بقوة وإصرار، المفهوم الذي سعى المفكر الراحل إدوارد سعيد إلى تأصيله، عندما شدد على أن: «الذاكرة الجماعية لشعب ما هي إرثه، لكنها أيضاً قوة دافعة يجب تفعيلها كجزء من هوية الشعب وشعوره بما له من حقوق وامتيازات، من هنا فإن تذكر دير ياسين لا يعني مجرد العودة إلى الكوارث الماضية، بل فهم من نحن وإلى أين نتجه، وبدونها نكون في حالة من الضياع، وما يبدو هو أننا بالفعل في ضياع».

ثانياً - هذه الذاكرة الجماعية، ذاكرتنا، ليست بهذا المعنى آلية استحضار للماضي، وإنما هي قوة نستجمعها لنطرق بها أبواب المستقبل، من منطلق الحرص على التأثير فيه وتشكيل ملامحه وصياغته بما يكفل تجاوز محن الماضي، وبما يستعيد لأجيال المستقبل حقوقها، التي يبدو جلياً للعيان أنها بسبيلها إلى الإهدار النهائي.

ثالثاً - تشكل دير ياسين الملمح الأكثر بروزاً في سلسلة طويلة من المجازر التي تعرض لها المدنيون والعزل من العرب على يد زبانية آلة القتل الإسرائيلية التي تنتحل لنفسها رموز المؤسسات العسكرية، وعلى الفور تقفز إلى الذهن مذابح ممتدة عبر الأفق العربي.

ومن هنا يصبح من حق الذاكرة العربية الجماعية، كقوة دافعة، أن تضع أيدينا على الحقائق المتعلقة بمذابح مثل مذبحة قبية، والدور الإسرائيلي في مذابح صبرا وشاتيلا، والجرائم المروعة التي ارتكبها الصهاينة ضد الغزيين في عملية «الرصاص المصبوب»، ومن حقنا جميعاً أن نعرف كل الحقائق المتعلقة بقتل الصهاينة للأسرى المصريين في سيناء.

 رابعاً - هذا السعي الدائب وراء الحقائق لا بد أن يقترن بالانطلاق من الحق في المعرفة إلى الحق في المساءلة والمحاسبة، ولعل النموذج الأكثر وضوحاً في هذا الصدد هو اعتماد الآلية التي وظفت القانون الدولي، بما يكفل ملاحقة قادة "إسرائيل" وكوادرها السياسية والعسكرية في كل أرجاء العالم والقبض عليهم ومحاكمتهم، باعتبارهم مجرمي حرب.

خامساً - قبل أن يتم تفعيل آليات عمل المنظمات غير الحكومية، فإن الحكومات والمنظمات والجهات الرسمية في العالم العربي كله، عليها أن تدرك أن الدم العربي المسفوك والحق العربي المستباح ليس ملكها لتتنازل عنه أو تفرط فيه، وإنما هو ملك لأجيال المستقبل العربية، ومن حقها أن تطالب به، وأن تسعى وراءه طالما بقيت أرض وظلت سماء.

وفي غضون ذلك نواصل تأكيد ما قاله إدوارد سعيد من أن ذاكرتنا الجماعية هي حقا إرثنا الحي، هي جزء لا يتجزأ من هويتنا، هي دمنا يسعى في الآفاق، يطرق أبواب المستقبل، يطالب بحقوقنا وحقوق الأجيال العربية المقبلة من بعدنا.

.. وما ضاع حق وراءه مطالب.

ــــــــــــ

البيان الإماراتية

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.