الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أوباما ونتنياهو... والدولة الفلسطينية

أوباما ونتنياهو... والدولة الفلسطينية
2262 0 1083

 

اجتمع الكونجرس الأميركي بمجلسيه للمرة الثانية خلال خمسة عشر عاماً للاستماع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وهو يعرض وجهة نظره في مسائل وجود "إسرائيل" وأمنها والعلاقة مع الولايات المتحدة والموقف من إيران، وأخيراً الموقف من السلام مع الفلسطينيين. وقد بلغ من إعجاب الكونجرس بكلام نتنياهو في كلِّ هذه المسائل أنّ صفَّقوا له وقوفاً أكثر من عشرين مرةً تحيةً واستحساناً.

كان موضوع حديث نتنياهو أمام الكونجرس في المرة الأولى عام 1996 أمن "إسرائيل" وأمن الولايات المتحدة، والأخطار التي تتهددُهُما في الشرق الأَوسط من "الإرهاب الفلسطيني"، وعدم وجود شريك للسلام يمكن التفاوض معه "إسرائيل" بعد الهجمات التي كانت تشنها "حماس" و"الجهاد" والفصائل الأُخرى.

وكان مستوطنٌ إسرائيليٌّ متطرفٌ قد قتل رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي عقد اتفاقية أوسلو مع عرفات عام 1993، و"وادي عربة" مع الملك حسين عام 1994، وتابع التفاوُضَ مع سوريا، وقدّم عرضاً سرّياً للرئيس حافظ الأسد يتضمن التخلّي عن كلّ الجولان بشروطٍ ومحترزات أمنيةٍ، وانسحابٍ تدريجي. كانت "أوسلو" تواجهُ عداءً شرِساً من جهتين: جهة اليمين الإسرائيلي، والمستوطنين الإسرائيليين، وجهة سوريا والمتشددين الفلسطينيين. أمّا اليمين والمستوطنون فقد قتلوا رابين، وأمّا المتشددون الفلسطينيون فشنّوا هجماتٍ انتحاريةً هائلةً وعلى مدى عامين، وقتلوا وجرحوا في تلك الهجمات مئات المدنيين، وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي يردُّ في كل مرةٍ في الضفة وغزة قاتلاً هو بدوره المئات. وفي تلك الفترة عاد نجم اليمين الإسرائيلي والمستوطنين إلى الصعود مستندين إلى المشكلات التي عاناها اتفاق أوسلو من جانب المتشددين، ومتهمين عرفات بالضعف أو بالتآمُر مع الإرهاب.

وما اكتفى نتنياهو بالتنبيه إلى الأخطار التي تتهدد أمن "إسرائيل" نتيجة "أوسلو"، واستشراس المتطرفين الإسلاميين؛ بل أضاف لذلك حرصاً على زعامة الولايات المتحدة للعالم، والأخطار التي تتهدد هيمنتها بعد انتصارها وانتصار الحريات في الحرب الباردة. ودعا في وثيقةٍ وقّعها إلى جانب عشراتٍ ممن عُرفوا فيما بعد بالمحافظين الجُدُد، وأرسلوها للرئيس كلينتون، إلى حماية الحريات الجديدة ومصالح أميركا الاستراتيجية بالقوة في مواجهة الإرهاب والفوضى.

وفي الخطاب الجديد الذي ألْقاه أمام الكونجرس استعاد نتنياهو الموقف القديم، لكنْ دون أن يطالب الولايات المتحدة هذه المرة بالتدخُّل العسكري! ولا يرجع ذلك لتواضُعه أو حتّى لثقته بقوة الجيش الإسرائيلي؛ بل لأنّ استراتيجية أوباما والولايات المتحدة الجديدة ما عادت تسمحُ بذلك. وهو إنما جاء للولايات المتحدة ليحُبط مشروع أوباما الجديد لإقامة الدولة الفلسطينية في حدود عام 1967. ولذا فهو يريد أن يحظى بدعم الكونجرس (وبخاصةٍ الأكثرية الجمهورية)، دون أن يبدو بمظهر مَنْ يفرض على الولايات المتحدة التزاماتٍ جديدةٍ، بعد الخيبات التي كانت "إسرائيل" بين أسباب حدوثها في العراق وأفغانستان، وفي التوصل إلى حلٍّ للنزاع مع الفلسطينيين. قال نتنياهو إنه يرحِّب بحركات الحريات الجديدة في الشرق الأوسط، لأنّ "إسرائيل" كانت حتى الآن هي الديمقراطية الوحيدة. بل إنّ الفلسطينيين في "إسرائيل" هم الوحيدون من العرب الذين يتمتعون بالحرية!

ووضع نتنياهو "إسرائيل" في موقع النِدّ للولايات المتحدة حين جعلها الشريكة الوحيدة لها في المنطقة، وربما ستبقى كذلك لأنّ التطرف يمكن أن يُحبط ثورات التحرر العربية، كما سبق له أن أحبط الحراك اللبناني. لذلك فهو يريد (ولمصلحة الولايات المتحدة والعالم الحر) أن تبقى "إسرائيل" قوية، وآمنة من الناحية الاستراتيجية. وبخاصةٍ أنّ "إسرائيل" لا تحتلُّ أرضاً، نعم لا تحتلُّ الأرض، لأنها أرضُ اليهود منذ آلاف السنين. وكما من حقّ اليهود من جميع أنحاء العالم أن يعودوا إلى أرض دولتهم؛ فكذلك يكون من حقِّ الفلسطينيين أن يعودوا لكنْ إلى أرض دولتهم المفترضة خارج حدود "إسرائيل". فالإسرائيليون مُلاّكٌ، لكنّ الفلسطينيين لهم حقٌّ في وطنٍ ودولة، إنما ليس في حدود عام 1967، ولا شأن لهم بالقدس، وينبغي أن تكون الدولة الجديدة إن قامت منزوعةَ السلاح. ثم إنه لكي يظلَّ عباس شريكاً في عملية السلام وإقامة الدولة، عليه التخلّي عن التصالُح مع "حماس" التي تريد تدمير "إسرائيل"! وتحدث نتنياهو عن تنازُلاتٍ مؤْلمة هو مستعدٌّ للقيام بها، وما فهمتُ منها إلاّ اقتراحه بأن تكون هناك مستوطناتٌ إسرائيليةٌ خارج حدود "إسرائيل"، وضمن الدولة الفلسطينية الجديدة!

قال الأوروبيون، وقالت اللجنة الرباعية منذ أكثر من عام، إنه لا أمل في التفاوُض مع نتنياهو على دولةٍ فلسطينيةٍ مترابطة الأجزاء، وقابلة للحياة. ولذلك فقد وافقوا على ذهاب السلطة الفلسطينية إلى مجلس الأمن، في نوفمبر الماضي، من أجل استصدار قرارٍ بإدانة استمرار الاستيطان. وما اعترضت على القرار بالمجلس غير الولايات المتحدة التي استخدمت حقَّ الفيتو. ويقول الفلسطينيون الآن إنهم سيذهبون إلى الأمم المتحدة في سبتمبر القادم للحصول على اعترافٍ بالدولة الفلسطينية المستقلّة. وكما اعترض أوباما على الذهاب إلى مجلس الأمن من أجل الاستيطان، قال إنه لن يوافق على ذهاب الفلسطينيين منفردين إلى الأُمم المتحدة من أجل الاعتراف. لكنه أنذر "إسرائيل" بأنّ هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، ولابد أن يكون للفلسطينيين وطنٌ ودولةٌ إنما عبر التفاوُض.

 بيد أنّ "شعبية" اليمين الإسرائيلي لدى الكونجرس بمجلسَيه، جعلت حتّى أوباما يتراجع في اليوم التالي لخطابه عن حدود عام 1967. وها هو نتنياهو يسدُّ عليه الطريق في الكونجرس بالنسبة لمسألتين حيويتين أُخريين هما القدس واللاجئون، بالإضافة للعجز عن إيقاف الاستيطان. ولذا فلستُ مع الرأْي القائل بأنّ ميتشل، مبعوث أوباما السابق، قد استقال لأسباب شخصية. بل استقال لانتصار دنيس روس الخبير والموظف الآخر في الإدارة، والمجيء بهذا الحلّ الأعرج الذي قال به أوباما في خطابه، ثم تراجع عن نصفه في اليوم التالي! لقد تصاعدت آمالُ أوباما بالفوز بولاية ثانيةٍ بعد قتل بن لادن الذي هَنّأهُ نتنياهو عليه. وهو متفائلٌ أيضاً بعدم وجود مرشح محترم لدى الجمهوريين. وفريقُهُ الانتخابي ينصحُهُ بعدم مُواجهة "إسرائيل" قبل الانتخابات حتّى لا يُؤثِّرَ ذلك في فُرَص نجاحه.

 لذلك لا أمل في أن يُقْدِمَ أوباما على إغضاب نتنياهو أو اليمين الإسرائيلي مهما كلَّف ذلك من "خدوشٍ" في "حساساته المرهفة" بالعدالة والحرية! لقد قال بول كروجمان إنَّ أوباما لا يبدأُ في سياساته بالتدرج من تحت إلى فوق، بل يبدأ دائماً بالتصريحات المبدئية، ثم يبدأُ العدُّ التنازُلي إلى أن يوشك على النزول إلى نقطة الصفر أو المربَّع الأول، هكذا فعل في مسائل الضمان الصحي، وفي السياسات الاقتصادية. وهو يسلُكُ المسلكَ نفسَهُ في النزاع العربي الإسرائيلي. فهو شديدُ الحماس للحريات العربية الجديدة، لكنه لا يعتبر الفلسطينيين جزءاً من هذه الحريات. لذلك، فكما يخشى نتنياهو أن يُحبط المتطرفون حركات التغيير من أجل الحرية، نخشى نحن أن يُحبطَ الإسرائيليون جهودَ ومساعيَ السلام. ففي عامي 1995 و1996 اشترك المتطرفون من الطرفين في ضرب جهود إنفاذ أوسلو أو إيصالها إلى نهاياتها. أمّا اليوم؛ فقد قال "مشعل" إنه سيُعطي التفاوُضَ والذهابَ إلى الأُمم المتحدة فرصة، ولذا يقف المتطرفون الإسرائيليون منفردين في وجه التفاوُض والسلام، أمّا أوباما فيخشى المتطرفين الإسرائيليين، ولا يريد الوقوف إلى جانب أحرار العرب.

ــــــــــــ

الاتحاد الإماراتية

 

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.

الأكثر مشاهدة اليوم

قراءات وتحليلات

عن مؤتمر روما لإنقاذ أونروا

سينعقد في روما مؤتمر المانحين لسد العجز الذي نتج عن القرار الأمريكي خفض مساهمة واشنطن في ميزانية "الأونروا"،...المزيد