
تأديب الآباء لأبنائهم أمر واجب وحق لازم، فكما أن للأب على ابنه حقا، فللابن على أبيه كذلك، بل وصية الله تعالى للآباء بأبنائهم سابقة في التنزيل على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، فقد أساء إليه وعقه، وأكثر عقوق الأولاد آخرا بسبب إهمال الآباء أولا، ومن ثم قال بعضهم لأبيه: أضعتني وليدا، فأضعتك شيخا، وعققتني صغيرا، فعققتك كبيرا.
وعندما نتكلم عن تربية الأولاد فنحن نعني أن نبدأ معهم مبكرا جدا، منذ أن تتفتح قلوبهم وعقولهم لتقَـبُّل الكلام وتفهُّمه، في وقت صغرهم وزمان تشكيلهم وتأديبهم؛ حتى يتشرّبوا الدين، وحُب الله ورسوله، وحب المسجد والكلام الطيب منذ نعومة أظفارهم.. ولا نهملهم حتى يشبوا ويكبروا فيكتسبوا العادات السيئة ويتعلّموا الاخلاق الفاسدة، ويصعب التقويم بعد ذلك أو يستحيل، كما قال أحمد شوقي:
قد ينفعُ الإصلاحُ والتَّـ .. هذيبُ في عهدِ الصِّغَرْ
والنَّــشءُ إن أهمــلتَـه .. .. طفلاً تعثَّرَ في الكِبَـرْ
التربية على حب النبي
وأول ما ينبغي أن يربى عليه الصغار هو محبة الله تعالى خالقهم ورازقهم، وصاحب كل فضل عليهم.. ثم بعد ذلك محبة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، يعني المحبة الإيمانية الطيبة، لأن محبته من الواجبات، ولا يصح إيمان إلا بها، وهي تبعث على طاعته وامتثال أمره ومحبة ما جاء به، أو منه.
وقد أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه أن الإيمان لا يتم إلا بمحبته فقال كما في الصحيحين: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)[متفق عليه]. وأخبر أن الإيمان لا يكمل إلا بأن يكون أحب إلىالإنسان من نفسه التي بين جنبيه كما قال لعمر رضي الله عنه: (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ)[رواه البخاري].
وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أثر يقول فيه: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن".
وفيه خطاب للآباء والأجداد، وكل كافل ليتيم أو قائم على تربيته، أن يربوا أولادهم ومن تولوا أمرهم على ثلاث خصال: أي يدربوهم عليها ويغرسوها فيهم لينشؤوا ويستمروا على ملازمتها، وإنما خص هذه الثلاث لأنها أهم أو من أهم ما يجب تعليمه للطفل، وأن أول هذه الخصال محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
كيف نحببهم في الرسول
وتربية الأبناء على محبة رسولهم تكون بأمور:
تعليمهم سيرته
وإسماعهم قصته، وتعريفهم بأخلاقه وآدابه في كل مرحلة بما يتناسب معها؛ إذ سماع قصته وسيرته وتاريخه الحافل من أعظم أسباب محبته، والصغار عموما يحبون القصص وهو قريب إلى قلوبهم، ومع ذلك هو من أفضل أساليب التعليم والتربية.. قال السمعاني: "يجب على الآباء تعليم أولادهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بمكة إلى كافة الثقلين، ودفن في المدينة، وأنه واجب الطاعة والمحبة".
ولا شك أن مقصوده هو تعليمهم سيرة للنبي وافية، تتوسع بقدر زيادتهم في العمر، وتزيد المعلومات بقدر زيادة العقل والفهم والاستيعاب؛ ليتعرفوا على حياة نبيهم ويتعلموا أخباره، ففي ذلك ما فيه من تعلق القلب به، وزيادة الحب له.
بيان فضله ومكانته
وأنه خير الخلق، وأفضل الرسل، وأكمل البشر، وأنه أحب العباد إلى ربه وخليله من دون سائر خلقه، اصطفاه الله من بين الناس فكان أشرفهم نسبا، وأزكاهم حسبا، وأعلاهم شرفا، وأجملهم منظرا، وأسلمهم قلبا، وأصفاهم نفسا، وأعظمهم خلقا، شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وزكاه تزكية ما زكى بها أحدا من العالمين: زكَّاه في عقله فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}[النجم:2]، زكَّاه في فؤاده فقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}[النجم:11]، زكَّاه في بصره فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}، زكَّاه في منطقه فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَن الهوىَ}[النجم:3]، زكَّاه في خلقه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلقٍ عَظِيمٍ}[القلم:4]، زكَّاه حتى في معلِّمه فقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ}[النجم:5].
وقرن الله اسمه باسمه فلا يذكر الله إلا ذكر معه نبيه.. كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وضمَ الإله اسم النبي إلى اسمهِ .. .. إذا قال في الخمسِ المـؤذن: أشهـدُ
وشـــق لـه مــن اسـمه لـيُـجِلَّـه .. .. فـذو العـــرشِ محمودٌ وهـذا محمدُ
وهو صاحب اللواء المعقود لواء الحمد آدم ومن دونه تحته، وصاحب الحوض المورود، ولقد بلغ الله به مكانة لم يبلغها أحد من قبله ولن يبلغها أحد من بعده، فهو صاحب المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى يوم القيامة.
وبالجملة فينبغي أن يعلم الطفل ويربى على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم وأطهر وأزكى وأنقى وأتقى وأعبد وأورع الخلق على الإطلاق.
بيان رحمته
وأنه صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة من الله، والنعمة المسداة، وأنه أرحم الخلق بالخلق، وأن بعثته كانت رحمة للإنس والجن، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، وللإنسان والحيوان كما قال له ربه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].
فكان رحمة للكافرين: ولقد بلغت رحمته بهم وشفقته عليهم أنه كاد يهلك نفسه حزنا على عدم إيمانهم، وخوفا عليهم من النار، حتى قال له الله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ألا يكونوا مؤمنين}[الشعراء:3]، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[الكهف:6]، ومعناها: لعلك مهلك نفسك حزنًا وأسفًا لأنهم لا يؤمنون..
ثم نهاه عن ذلك وقال: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[فاطر:8]. وقد بين عليه الصلاة والسلام حاله معهم ومدى حرصه عليهم بقوله: (مثلي ومثلُكم كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا، فجعل الفراشُ والجنادِبُ يقعْنَ فيها، وهو يذُبُّهُنَّ عنها، وأنا آخُذُ بحُجْزِكُمْ عنِ النار، وأنتم تفْلِتونَ مِنْ يَدَيْ)[رواه مسلم، والبخاري باختلاف يسير].
وكان رحيما بالمؤمنين: في دعوته لهم، وفي محبته إياهم، وخوفه عليهم، وتعليمهم الدين، وفي تشريعاته وما رخص لهم، وفي شفقته عليهم، وتركه كثيرا مما يحب خوفا من أن يفرض عليهم حتى قال الله سبحانه في وصفه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران:159]، وقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة:128].
وحتى بالحيوانات: فكان يأمر بالإحسان إليها في معاملتها وإطعامها وعدم تعذيبها بتحميلها فوق طاقتها، وقد قال لصاحب جمل يسيئ معاملته: (أفلا تتَّقي اللهَ في هذه البهيمةِ الَّتي ملَّكك اللهُ إيَّاها؛ فإنَّه شكَى إليَّ أنَّك تُجيعُه وتُدئِبُه)[رواه أبو داود].
ونهى عن أن تتخذ الحيوانات غرضا، أي أهدافا تصوب عليها لما في ذلك من تعذيبها، وأمر بالرحمة بها: (اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوها صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً)[رواه أبو داود]، وقال: (في كُلِّ كَبِدٍ رطبَةٍ أجرٌ)[متفق عليه]. وحتى في ذبحها قال: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)[أخرجه مسلم].
الإكثار من حكاية قصصه
سواء قصصه ومواقفه مع البشر من المؤمنين أو مع المخالفين والكافرين، وكذلك حكاياته مع أصحابه ومواقفه الجميلة معهم ـ وكلها جميلةـ وكذلك مواقفه في زيارة أصحابه، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وزيارة الغلام اليهودي الذي كان يخدمه حين مرض، ودعوته للإسلام.
وكذلك مكارم أخلاقه: قصص الجود والكرم، وقصص الحلم والصبر، ومواقف العفو والصفح، ومواقف الشجاعة والبسالة والقوة، ومواقف الرأفة والرحمة.. كل هذا يحبب الأولاد فيه لكثرة شمائله وعظيم أخلاقه.
بيان محبته للأطفال
ولابد من كثرة تذكير الأولاد بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأترابهم وأسنانهم، فهذا من دواعي محبتهم له، ولابد أن نحكي لهم كيف كان النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم يلاعب الأطفال، ويُلاطف الصّغار، ويحنو عليهم، ويرفق بهم، ويمسح رؤوسهم ووجوههم، ويردفهم خلفه على الدواب ـ كما فعل بابن عباس ومعاذ، وربما ضاحك بعضهم فمج في وجهه الماء، ويُدخل السرور على قلوبهم، فكان يحمل أحفاده أحيانا في الصلاة، كأمامة بنت أبي العاص ابنة ابنته زينب، والحسن والحسين ابني ابنته فاطمة، أولاد علي بن أبي طالب، وكيف كان يحمل أبناء المسلمين ويحنكهم عند ولادتهم بالتمر، ويسميهم، ويدعو لهم.. رغم كل ما لديه من الواجبات والأعباء الكثيرة.
تحفيظهم سنته
وتعليمهم أن هذا كلام سيد الخلق ورسول الرب، فيه الهداية والنور، والخير والفلاح، والسعادة والسرور، ومن علامات المحبة حفظ كلام المحبوب، فنختار لهم بعض الأحاديث التي تناسب أعمارهم وأفهامهم، نشرحها لهم، ونحفظهم إياها، أحاديث قصيرة ومشهورة ليسهل حفظهم لها، كأحاديث اركان الإيمان، وإنما الأعمال بالنيات، وثلاث من كن فيه، وأشباهها، فإنها تركز في قلوبهم العقيدة الصحيحة، وتحمي أفكارهم من ما يلوثها من الشبهات والشهوات التي تعرض عليهم من حولهم، وتحببهم في صاحب الكلام صلوات الله وسلامه عليه، وتكون ذخيرة لهم تزداد مع الأيام فيزداد معها علمهم بالدين وثبات قلوبهم عليه.
تعويدهم الأذكار
أعني الأذكار الموظفة في أوقاتها ومواضعها، كأذكار الصلوات، والصباح والمساء، وسنن الدخول والخروج، وركوب السيارة، والنوم، والطعام، ودخول الخلاء والخروج منه، وسائر الأذكار المرتبطة بأحوال معينة.
ومن فوائد ذلك: ترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم؛ لكثرة ما تتضمنه هذه الأذكار من معاني التوحيد والتفويض والتوكل، وكثرة ذكرهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وارتباطهم به في غالب الأحوال والأوقات، فوق ما فيه من حفظهم من الشرور والآفات.
كن قدوة لهم
فأظهر لهم تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقيره ومحبته، وليجدوا ذلك ظاهرا في كلامك وفي مواقفك، التزام السنن الظاهرة، والأذكار في أوقاتها، مع كثرة الصلاة والسلام عليه، وكثرة ذكره والاستدلال بمواقفه.. كثيرا ما تقول لهم: كان رسول الله يفعل كذا، كان رسول الله يقول كذا، كان من هديه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا.. فإذا وجدوا من والديهم محبة نبيهم سرى ذلك إلى قلوبهم وانتقل إليهم بالمجاورة فليس في أساليب التربية أعظم من التربية بالقدوة والأسوة.
الدعاء لهم
فإنه أصل التوفيق، واستعانة بالله على تربيتهم، وباب عظيم لفتح قلوبهم لمحبة نبيهم.. وهو وسيلة استعملها الأنبياء في تربية أولادهم، فإنهم يعلمون أنهم إنما هم أسباب والأمر كله لله، فلجؤوا إليه وتوسلوا إليه في هداية أبنائهم وصلاحهم.. كما قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}[إبراهيم:40] وقال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}[إبراهيم:35]، وقالت أم مريم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[آل عمران:36]، إلى غير ذلك، ومن دعاء المؤمنين: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[الأحقاف:15].
فنسأل الله تعالى بمنه أن يربي لنا أولادنا، وينبتهم النبات الحسن، وأن يرزقنا وإياهم حبه وحب نبيه صلى الله عليه وسلم.